الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شقيق أحد الناجين لـ«الدستور»: أخي شاهد أعز أصدقائه يستغيث به ولم يتمكن من إنقاذه

تم نشره في السبت 27 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:03 مـساءً
نيفين عبد الهادي



روايتهم مختلفة، ليست كباقي ما سمعنا ورأينا، محمّلة بكل معاني الحزن والألم، والقلق، والخوف من الأمس، واليوم والغد، محمّلة بأصوات زملائهم وهم يستغيثون طلبا للحياة، لتغيب أصواتهم فجأة، إذ جرفهم السيل، هم من عاشوا مرارة الحدث ومأساة ألمه إلى ما شاء الله.
الناجون من فاجعة البحر الميت، أطفال بحجم الدنيا، أطفال اجتازوا طفولتهم بعشرات السنين، ليعلّموننا جميعا آلاف الدروس والعبر، ويوقظوا فينا جميعا مسؤولية مختلفة، تعي الحياة وعيا مختلفا، وتؤشّر لأخطاء وثغرات كثيرة في قطاعات متعددة، لنسعى لتصويب ما يمكن تصويبه، لكن حتما لن تصوّب نفوس أطفال مثقلة بحزن لن تقوى عليه جبال، حزن رؤية زملائهم وزميلاتهم ومعلماتهم وهم ينجرفون بمياه السيول، جارفين معهم فرح الطفولة من قلوب الناجين ونبض الحياة.
ليس سهلا أن تتحدث لأحد من الناجين، فجميعهم دون استثناء يعانون من اضطرابات نفسية، وتعب جسدي، وحالات نفسية، تقترب من مساحات المرض، يصمتون كثيرا ويبكون أكثر، يتحدثون مع أنفسهم، منادين زملاءهم ممن لم يتم انقاذهم، فمنهم من فقد أعز أصدقائه، ومنهم من لم يتمكن من انقاذ زميلته التي استغاثت به لكن جسمه النحيل من يسعفه بانقاذها، ومنهم من نادى «المس» لتقف لجواره، لكنها لم تتمكن لأن السيل كان أسرع من التفاتتها له، ومنهم من ما زالت آثار الحادث تتعب جسده وتؤلمه، حكايا مختلفة، تحكيها أجسادهم ونفسياتهم، وكلهم يتحدثون ذات الرواية بما حدث بكل خوف وحزن.
«الدستور» حاولت الإتصال بعدد من الناجين، لا لسماع ما حدث معهم، بقدر حرصها لتنقل لهم فرحها وفرح الأردنيين بحياتهم الجديدة التي كتبت لهم، وتواسيهم بفقدانهم أعز أصدقائهم، لم يتمكن أحد ممن حاولنا الإتصال بهم الرد على هاتفه، فكان الرد يأتي دوما من الأم أو الأب أو أحد الأشقاء، معتذرين عن قدرة ابنهم الحديث، مؤكدين أن ما حدث مصيبة بمعنى الكلمة، سيبقى أثرها في نفوس أبنائهم إلى ما شاء الله، فما حدث تعدى حدود العقل والتفكير، والعقل، هم أطفال رأوا بأم أعينهم ألم فراق أحبتهم وزملائهم، وعانوا الكثير حتى يصلوا لبر الحياة.
من أجاب على اتصالاتنا، نقل حزن ابنه، بشكل يحرق قلب المستمع، متحدثين عن المصيبة التي حلّت بأبنائهم، وأثرها الذي سيتجرعون ألمه على مدى سنين، كلّ يصف ما رواه ابنه، ورغم اختلاف التجربة بين طفل وآخر، إلاّ أنها بمجملها تلتقي عند نقطة الألم واللوعة، وحسرة القلب على عزيز وصديق، فضلا عن كون عدد منهم ما يزال يعاني من ألم الحادث الأليم جسديا.
ليث الحراحشه شقيق أحمد، أكد في اتصالنا معه أن شقيقه أحمد لا يمكنه مطلقا التحدث لأحد، فهو في وضع نفسي أقل ما يوصف به سيء ومؤلم، فقد توفي أمامه أعز أصدقائه، رغم أنه حاول انقاذه كونه كان يقف على صخرة ووضعه آمن، ومسك بيد صديقه لكنه انزلق وجرفه السيل أمام عينيه، فلم يتمكن من انقاذه، اضافة لكون أحمد جسده نحيل، فكان لذلك أثر بعدم تمكنه من انقاذه ورفعه للصخرة التي كان يقف عليها.
وأضاف ليث، أن شقيقه صامت منذ خروجه من المستشفى أمس، وفجاة يبدأ بالحديث بعشوائية، بعيدا عن الجمل الواضحة والكلمات المرتبة، إذ تلتف كلماته حول فكرة ألمه، وما عاشه، وما سيعيشه من مشهد رؤية أعز أصدقائه وقد انزلق عن الصخرة التي انقذت حياته لكنها لم تنقذ حياة صديقه، ليسارع السيل لجرفه وسرقة عمره مبكرا جدا.
وقال ليث اخي ابن (14) عاما، شارك في الرحلة ولم يدرك أنها ستكون الحد بينه وبين من يحب، لذا فإنه يتحدث بمرارة ووالدتي تسارع لقراءة القرآن على رأسه، خوفا عليه، ونحن نسعى ان لا نتركه بمفرده للحظة، ونسعى جاهدين لتلبية كل ما يطلبه، رغم أن طلباته قليلة ولا تكاد تذكر، لكن الأهم لدينا الآن أن نبقى حوله ولا نتركه بمفرده مطلقا، لأن وضعه النفسي أكثر سوءا من وضعه الصحي، ولا يتحدث سوى بكلمات قليلة في فترات متباعدة جدا، ولا يرغب بالمطلق بالطعام، وفي حال يتحدث يبدأ بالبكاء متذكرا أعز أصدقائه وقد توفي أمام عينيه دون أن يتمكن من انقاذه.
ليس سهلا ما حدث، هي مصيبة ونكبة، وفق ليث شقيق أحمد أحد الناجين من حادث البحر الميت المؤلم، وعلاجه أصعب، ولن يكون بين ليلة وضحاها، فالأمر سيحتاج أياما وسنين، نأمل أن يجتاز هؤلاء الأطفال وجعهم، فهم من علّمونا جميعا دروسا بالصبر والثبات والقوة، والصداقة الحقيقية، لعلّهم يقدرون على تجاوز أو التعايش مع وجعهم، ساعين لحياة ما تزال في خطاها الأولى برزنامة عمرهم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش