الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«سوف تعرف الحقيقة.. والحقيقة تجعلك حرًّا»

د.حسان ابوعرقوب

الأحد 21 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 267

قد ينشغل الإنسان بما هو مهم متشاغلا عمّا هو أهم، وهنا تأتي معرفة الأولويات وأهميتها في حياة الإنسان. فهل يُقبل من أحدنا أن يصليَ على  شاطئ البحر، ويطيل الصلاة بينما يسمع غريقا يطلب نجدته، أيهما أهم في هذه الوقت، الصلاة على عظمها أم إنقاذ روح إنسان؟ أعتقد أن إنقاذ النفس الإنسانية صلاة وتسبيح لله، لا تقل عن صلاة الركوع والسجود.
لا ينبغي أن نغفل عن أن عمارة الكون، وتشكيل حضارة إنسانية أخلاقية، هي من باب الخلافة والعبادة التي خلق الإنسان من أجلها، فإتقان العمل عبادة، والنهوض بالأمة عبادة، وإخراج الأمة من ضعفها وتخلفها عبادة، وإقامة العدل عبادة، ونصرة الحق عبادة، فلا يقتصر مفهوم العبادة على الصلاة والصيام والحج، كما يظن بعض البسطاء من المؤمنين.
الحياة فيها أولويات، وأسهل العبادات هي الصلوات والصيام، أما إقامة الحضارة والعدالة والحق، فهي العبادة الصعبة، فلا ينبغي أن نشتغل بالعبادات السهلة التي يمارسها أغلب المؤمنين، لنستغرق بها منشغلين عن عبادة صعبة هي عمارة الكون، ثم نظنّ أنفسنا قد أقمنا حقيقة الدين، وهذا أمر لم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ كان مع طول صلاته وصيامه، يكوّن المجتمع على أسس الحق والعدل والتضحية والإيثار، تمهيدا لدولة أقامت حضارة ملأت الدنيا علما وأخلاقا.
إن زرع العقيدة الصحيحة في قلوب أبناء الأمة من أهم الأولويات، فمن أجل هذه العقيدة يموت الإنسان ويحيا، ويكون له هدف يسعى إليه، وغاية  يحاول أن يبلغها، ومن خلال هذه العقيدة يحصّن الإنسان نفسه وفكره وعقله ومشاعره وأحاسيسه، فالعقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يُبنى عليه إيمان الإنسان، ثم تُبنى عليه العبادات والأخلاق، وما فائدة أن يتعبد الإنسان بعقيدة فاسدة أو باطلة؟ وهذا يفسّر لنا السبب في أنّ الصلوات الخمس فرضت قبل الهجرة  بسنة ونصف، وأنّ صيام رمضان فرض في السنة الثانية للهجرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقوم قبلها بزرع مبادئ العقيدة الصحيحة في قلوب أصحابه، وبعدها أتت فرائض العبادات، ثم جاء الجهاد متأخرا.
إنها الأولويات، فهل لو هجم العدو على بلادنا، سنهرع إلى المساجد لندعوَ عليه عبر المآذن بالويل والثبور، وقبائح الأمور، وأن يبيده الله، وأن يشتت شمله، ويفرّق جمعه، وألا يعلي له راية، ويجعله لمن خلفه آية، هل هذا سيكون الفعل الصحيح؟ إن العدو سيحتاج إلى من يواجهه ويقاتله دفاعا عن الأرض والعرض، أما لو هرعنا للمساجد لندعو عليه، لقدّمنا له خدمة يعجز عن شكرنا عليها، لأنه سيحتل البلاد، ويذلّ العباد، ونحن لا زلنا ندعو وندعو عليه، وليس هذا إنقاصا من قيمة الدعاء، بل للدعاء أهميته وقيمته، ولكن لا بدّ أن يكون مشفوعا بالعمل والاستعداد، لذلك أمرنا بإعداد ما استطعنا من قوة، ولم يأمرنا ربنا بالدعاء فقط.
انشغال المسلمين بخلافاتهم الفقهية أو حتى العقائدية أمر غير ذي أهمية في الوقت الراهن، فبينما تتعرض المنطقة  للتقسيم، وللمؤامرات، وتتعرض بعض الشعوب للقتل والتهجير، والقدس تأنّ من قيد الاحتلال، ننشغل بالسني والشيعي والزيدي وأيهم صاحب الحق، لينتقل هذا الخلاف إلى اقتتال واحتراب بين مختلف الطوائف، وننشغل عمن يعبث بأرضنا ومقدساتنا، وضمائر أبناء أمتنا.
الحقيقة التي علينا أن نعرفها جميعا هي أننا قد أضعنا الطريق، وتاهت بنا السبل، والبوصلة التي لا تشير إلى قضايا الأمة الأخطر والأهم هي بوصلة تحتاج إلى إعادة ضبط وإصلاح. فعلينا أن نعيَ قضايانا الأهم لنبدأ بحلها، لنصير أحرارا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش