الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كي نخرجَ من نكستنا

د.حسان ابوعرقوب

الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2018.
عدد المقالات: 267

يكتسب الإنسان قيمته من خلال قوة إيمانه بنفسه، واحترامه لذاته ووطنه وأمته. نحن أبناء حضارة ساهمت في النهضة العالمية، وكان لها أثرها على العالم أجمع، نحن أبناء أمة كانت الشمس لا تغيب عن أرضها، نحن أبناء لغة  تفاخر بعض الغربيين في زمن ما بأنهم يتكلمون بها، نحن من أمة وضعت بصمتها في تاريخ الأمم والشعوب، ، نحن أبناء حضارة عريقة حفرت اسمها في كتاب الخالدين، هذه الحقيقة ينبغي ألا تغيب عن عقولنا.
ليس الكلام السابق انسحابا للماضي لنتقوقع فيه فرارا من مرارة الحاضر، ولكنه دعوة لمعرفة الذات، بل حقيقة الذات، التي من خلالها يتمكن الإنسان من احترامها وتقديرها، ومن ثم العمل للوصول إلى المكانة التي تستحقها، من خلال معرفتنا لماضينا وتاريخنا، ستتشكل عندنا قناعة بأننا قادرون على البناء الحضاري كما فعل أجدادنا، وأنّ النكسة التي نمرّ بها ينبغي أن لا تطول، لكن نحن من ينبغي أن يتخذ هذا القرار ويعمل من أجله.
على كل واحد منا أن يكون قائدا نحو التغيير المأمول، باعتزازه بنفسه وقدرته وطموحه، وإتقانه لعمله ووظيفته، كي يكون لبنة صالحة في طريق البناء الحضاري المأمول. وألا يلتفت للمعوقات كسَدٍّ عصيٍّ على الاختراق، بل لكل جدار نقطة  ضعف يمكن تجاوزها والعبور من خلالها. ينبغي أن نمحو من عقولنا كلمة مستحيل، لأنها لا تصلح في عالم الممكنات، ولأنها تصبح خطيئة لا تغتفر.
صار عند الإنسان العربي مخزون من اليأس، اقتنع من خلاله فقدانه لأي قدرة على التغيير والتطوير، وصار يحتقر قدراته الذاتية ولا يؤمن بها، فصار الإنسان مثقلا بالمشاعر السلبية، يحمل بين جنباته أثقالا من الإحباط واليأس، لو وزّعت على أهل الكرة الأرضية لوسعتهم.
ومن علامات هذه النكسة الفكرية والشعورية أن صار أحدنا يحاول أن يتخلص من كل شيء يربطه بوطنه وأهله، وهذا أحد أهم أسباب تراجع بعض العادات والتقاليد والأخلاق الحسنة، فصار الجار لا يعرف جاره، ويتكلم أحدنا باللغة الأجنبية ليظهر تفوقه الثقافي، وكأن لغته العربية تمثل التخلف والرجعية، وحتى ملابسنا تغيرت، وأصبحت غربية. لقد أخذنا بقشور الحضارة  الغربية، بعيدا عن لبها ومحاسنها التي تتوافق مع ديننا وأخلاقنا، كاحترام الوقت، والقانون، والحرية والتشاركية في صنع القرار، معرضين عن كثير من محاسن ديننا وثقافتنا التي توارثنها عن الآباء والأجداد.
وربما يكون ما سبق تفسيرا لما تعرضه بعض الفضائيات العربية من برامج مستنسخة عن برامج أجنبية، لا تتفق مع ثقافتنا وأخلاقنا، كتقليد أعمى هدفه جمع الأموال، ومسخ الشخصية العربية والمسلمة لتكون مجرد نسخة لا قيمة لها. ومثله قيام بعض الشباب بعقد حفلات مشبوهة تقليدا لما يحصل في الغرب، بهدف الحصول على هوية جديدة مقلدة تقلع هوية مجتمعنا من جذورها، لكنّ المجتمع يمجّها ويلفظها؛ لأنها لا تنسجم مع قيمه وأخلاقه، وتتحدى هويته، ولا تشكل إضافة على طريق البناء الحضاري، بل تزيد الطين بِلّة، وتعمّق من غور التخلف الحضاري؛ لأنّ هذه البرامج وتلك الحفلات ليست إلا نفايات الحضارة الغربية التي تلقاها شبابنا برحابة صدر.
إن الانشغال بمختلف مخلّفات ونفايات الحضارة  الغربية قد أوقع مجتمعاتنا العربية بفخ فقدان الهوية، والسقوط في هاوية الضياع، والبعد عن الطريق الموصل للنهضة. إن نهضة الأمة لا تبنى إلا بالعلم والأخلاق، والثقافة والأدب، والفن الراقي، والحرية والعدالة، والإتقان والعمل المتواصل، والجِد والاجتهاد، والعقل المنفتح، ومعالجة قضايا المجتمع من فقر وجهل وبطالة، فهل ننسى كل هذه الأمور لننشغل ببرامج وحفلات تخدر عقولنا؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش