الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نعم ..بناء مدرسة أولى

حسين الرواشدة

الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2018.
عدد المقالات: 2558

اثارت مناسبة الاعلان عن انطلاق اعمال الوقفية من اجل التعليم مؤخرا موجة من الارتباح العام والتشجيع، لكن ثمة اصواتا قليلة اعربت عن تخوفها من الفكرة ( هل اقول رفضها) بذريعة ان الوقف يجب ان يكون مرتبطا ببناء المساجد وان مثل هذه المبادرات ستدفع الواقفين بالتالي الى التحول لمجالات اخرى غير التي ارادها الله تعالى.
سبق لي ان كتبت عن الموضوع اكثر من مرة، وهأنذا اذكر به مرة اخرى، قلت آنذاك انه يوجد في بلدنا نحو سبعة آلاف مسجد، بمعدل مسجد واحد لكل الف مواطن، وتقول وزارة الاوقاف بأن المعدل السنوي لبناء المساجد يبلغ (200) مسجد في السنة، هذا بالطبع يعكس اهتمام الموسرين «بالتبرع» والتطوع لبناء المساجد، تعبيرا عن «حالة» التدين المتصاعدة، وتجسيدا لمفهوم العبادة التي اختزلت - للاسف - في هذا الجانب دون غيره.
 لكن، كم يبلغ عدد دور الايتام في بلادنا، وما هو حجم «الوقف» الاسلامي في مجالات مثل: التعليم والصحة، ولماذا لا يقبل «الواقفون» على التطوع لبناء «دار سينما» اسلامية، او مسرح اسلامي، أو - حتى - مأوى للفقراء ومجهولي النسب أو مدارس وجامعات ومستشفيات.. ؟؟ لماذا تذهب الاموال - معظمها - لبناء المساجد مع أن لدينا فائضا فيها، ومع ان الصلاة - بالنسبة للمسلم - تجوز في أي مكان وصعيد، ومع ان الهدف من «البناء» والعمران هو الانسان لا المساجد، فيما يتردد اخواننا الموسرين - ونحن ايضا من مستوري الحال - في دفع الصدقات أو التبرع بما زاد من مال، لاقامة ما يحتاجه مجتمعنا من مؤسسات او مصانع منتجة أو دور رعاية للمكفوفين أو غير ذلك من المجالات التي نفتقدها ونحتاج اليها (لا تقل ان ذلك مسؤولية الدولة فالجميع مسؤول ايضا).
 هنالك - بالطبع - اسباب كثيرة من اهمها اننا نمارس نمطا من «التدين المعكوس» الذي تغيب فيه عنا مسألة ترتيب الاولويات، فنحن نتعبد ونتقرب الى الله تعالى بأمور محددة، ونعتقد انها - وحدها - تختزل مفهوم العبادة، فيما الحقيقة ان كل عمل صالح عبادة، وان قبوله وجزاءه مرتبط بما يقدمه من خدمة للناس، وبالتالي فان بناء مدرسة او جامعة أو دار للايتام هي عبادة، واحسب انها اقرب الى الله تعالى من بناء «مسجد» خاصة اذا كان لدينا وفرة في المساجد.. وندرة وحاجة الى هذه المرافق.
 من الاسباب - ايضا - ان «الواقفين» والموسرين لا يثقون بنظام وادارة الوقف، وان اندفاعهم الى بناء المساجد، لا غيرها من مرافق المجتمع، هو من باب «الاحتياط» والاطمئنان الى ان اموالهم تذهب في الطريق الصحيح، حيث ان المساجد آمنة من التدخل ومن سوء الادارة، فيما يبقى غيرها معرضا لانواع شتى من الشكوك والتدخلات.
 من الاسباب - ايضا - ان فقه العمل الخيري قد تراجع كثيرا، وان فهم الناس ومعرفتهم بمجالاته واولوياته وانواعه ما زال متواضعا، الامر الذي اختزل هذا «الجهد» في بناء المساجد على حساب باقي المجالات مع اهميتها وافضليتها ايضا.
 ومن الاسباب ان خطابنا الدعوي ما زال يقدم للناس «ثواب» بناء المساجد على انه «الافضل» والاقرب الى طاعة الله ونيل مرضاته، فيما لا يشير - الا في حالات استثنائية - الى ان «ثواب» اغاثة ملهوف، او اقامة مصنع، أو تعويض أرباب البيوت عما يكسره الخدم لديهم (وهذا كان مجالات من مجالات الوقوف في تجربتنا الاسلامية) لا يقل ثوابا عن بناء مسجد.
 ثمة - بالطبع - أسباب اخرى، لكن المهم ان نشيع لدى اخواننا الواقفين والموسرين ثقافة «الوقف» في انشطة منتجة، ومجالات حيوية اخرى، وان نضع بناء المساجد - الآن - في درجة ثانية وراء مجالات اخرى يحتاجها مجتمعنا، خاصة وان الآخرين الذين اخذوا منا هذه التجربة (امريكا مثلا) قد فهموا المسألة وطبقوها افضل منا، فالجامعات الامريكية كلها - مثلا - قامت على اساس نظام الوقف.. وفي بلدان اخرى ثمة مستشفيات ومؤسسات خدمية وانتاجية تقوم على هذا الاساس.
 هذه - بالتأكيد - ليست دعوة لوقف بناء المساجد - معاذ الله - وانما للالتفات الى مجالات اخرى، وتوزيع «صدقاتنا» واموالنا على انشطة تضمن عمارة الدنيا.. والآخرة ايضا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش