الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«البيانو السحري» خطوة واثقة في أدب الأطفال

تم نشره في الجمعة 10 تموز / يوليو 2015. 03:00 مـساءً

نايف النوايسة*

السؤال الذي يطرح نفسه دائما هو: هل عندنا في الوطن العربي أدب للأطفال، ومتى كان، وكيف يمكن رؤية هذا الأدب داخل دائرة الاهتمام بالطفولة؟ وإذا كان هناك ما يشير إلى هذا اللون الأدبي فهل لنا أن نزعم بأننا قدمنا زاداً ثقافياً يليق بالطفل واهتماماته ومراحله العمرية والنفسية وإدراكاته الذهنية والمعرفية؟
وفي يقيني أن العرب كسواهم من الأمم الأخرى في هذا الشأن، أولوا الطفل أهمية لائقة غير أن أدب الأطفال حديث الولادة نسبياً عندهم، وفي الأردن على وجه الخصوص لم تتضح المعالم الفنية لأدب الأطفال قبل السنة الدولية للطفل سنة 1979م، عندما نهضت ثلة من الأدباء بأعباء هذا الأمر، حيث التقطوا خيوط البناء الفني لقصة الأطفال وأدبهم عموما من العالم الذي طرح تجاربه على واجهة المكتبات، فكتب هؤلاء الأدباء وفق المعايير الفنية التي أصبحت معروفة ومنتشرة على مستوى العالم..
ومن المفيد التفريق بين مفهومين لأدب الأطفال:
الأول: يذهب هذا المفهوم إلى ثقافة الطفل ليشمل كل أنماط التفكير وأساليب السلوك ومنظومة القيم، فضلاً عمّا ينجزه العقل البشري من ثمرات العلم والتكنولوجيا.
الثاني: وهذا المفهوم أكثر خصوصية، إذ يتصل بدلالات كلمة الأدب وتعريفها بحيث تشمل (القصة والشعر والرواية والمسرح).
أما مجموعة الأديبة الواعدة سيرين الغصاونة (البيانو السحري) فتضم خمس قصص للأطفال تمتْ صياغتها بلغة بسيطة مناسبة لمرحلة عمرية في حياة الطفولة وقد استوفت شروط بنائها الفني بتوفير العناصر المطلوبة التي لا تقوم القصة بدونها من شخصية وفكرة وحدث وصولاً إلى النتيجة مع مراعاة دقيقة لحسابات الزمن والمكان وعلاقاتهما بالسياق القصصي.
ففي قصة (هدية حياة) تختار الغصاونة شخصياتها بعناية بحيث تكون قادرة على حمل أعباء الفكرة الجليلة التي بلورتها بحدث مقنع، وواءمت بينها وبين الزمن المتمثل بالربيع والصباح، ولم تجعل شخصيتها الرئيسة (حياة) ساكنة نمطية وإنما وضعتها في سياق قلق، فهي في حركة ونمو دائمين ابتداءاً من انتظار الربيع وشروق الشمس والعودة للبيت وانتهاء إلى ما قررته بكتابة اليافطات..
بدأت حياة أكثر حيوية وهي تذهب في نزهة إلى الحقول وتقوم بتصوير المشاهد ثم تحمل سلتها لالتقاط الورود، وذروة الحدث هنا هو قطف ورود حمراء لتقديمها لوالديها، وعند عودتها للبيت اكتشفت عدم رضا الوالدين عمّا قامت به وقد كانت القاصة دقيقة جدا في مسالة اقتناع شخصياتها حتى تصل إلى النتيجة التي تريد.. وهنا اقتنعت حياة بحجة والديها وهذا ما أرادته نتيجة لهذا البناء القصصي المحكم، وأظهرت قناعتها بسلوك ايجابي هو كتابة عدد من اليافطات عليها عبارة (يُمنع قطف الأزهار نهائياً).
في قصتها (رامي يكره الفطور) تمكنت الأديبة الغصاونة من إتقان معادلتها الفنية في هذه القصة ابتداءاً من الفكرة الرئيسة المزدوجة (معاندة الأم وعدم تناول الفطور) وجعلت ذروة الحدث هي ما حصل لشخصية القصة في الصف، حين بدا ضعيفاً واهناً، وكان مسار الحدث مقنعاً بتفاصيله المحسوبة من تشكيل قناعة رامي وإدراك حجم الخطأ الذي ارتكبه بمعاندة أمه وعدم تناول الإفطار.. تحققت الصدمة لرامي فأصبحت النتيجة المتوقعة هي إحساسه بالخجل مما فعله والاعتذار لوالدته بتغير سلوكه.. أسلوب تربوي متقن لإعادة إنتاج القناعات الايجابية..
وسعت الأديبة في قصتها (أين اختفت الدمية) إلى تفكيك زوايا الاتهام والظن السيئ بالآخرين وقد حذت في قصتها هذه حذوها في القصتين السابقتين من اختيار موفق للفكرة التي تقوم على التسرّع باتهام الآخرين والشك بهم قبل التثبت من الحقيقة، ووظفت بقية العناصر الأخرى من شخصيات وأحداث لخدمة الفكرة الجليلة، وكانت النتيجة منطقية من خلال المعالجة الفنية التي حملت أعباءها القصة بسياقها المتقنة والعلاقة غير الناشزة بين مكونات القصة..
وفي قصتها (البيانو السحري) والتي جعلتها القاصة عنوانا لمجموعتها نلمس قدرة فائقة عند الغصاونة في تصويرها المؤثر لمشاهد قصتها بلغة مُؤشّرة متقنة دون فضل في الكلام ولا زوائد تُثقل كاهل السياق، وكأنني في هذه القصة أشاهد مقاطع سينمائية بالغة الدلالة في التأثير..
لقد كانت مقتصدة في الشخصيات (فيكي وجدتها والرجل العجوز)، وبنت أحداث القصة بواقعية تؤدي بالمتلقي إلى اقتناعه التام بالنتيجة، بعد أن أدركت (فيكي) أهمية ما قالته جدتها (بأن الصبر مفتاح الفرج) وان الله يرزق من يشاء بغير حساب ومن حيث لا يحتسب.. وعلى الرغم من أن «حنين» في قصة (حرب السيارات) لم تدهسها سيارة او تتعرض لحادث مروري ولكن مجرد مشاهدتها حادث اصطدام بين مركبتين وهي تهم بالركوب بحافلة المدرسة، ورؤية المصابين جرّاء الحادث أُصيبت بصدمة نفسية أفقدتها النطق، فهي بسبب ذلك إحدى ضحايا حرب السيارات.. إن فقدانها النطق هو إشارة على سمو الرسالة التي أرادت الأديبة توجيهها شجباً لهذه المأساة التي تحصد أرواح الأبرياء.
*أديب وباحث من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش