الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا بدّ ان نسأل عن السبب

حسين الرواشدة

الجمعة 31 آب / أغسطس 2018.
عدد المقالات: 2559

لماذا لم يثمر الدين في تهذيب بعض ابنائنا المتدينين وتربيتهم وردعهم عن الخطأ؟ هل يمكن ان يكون التدين مغشوشاً ومغلوطاً، ومن يتحمل مسؤولية هذا الغلط؟
قبل ان اجيب، أبادر الى الاستدراك بأن ثمة فرقاً بين حقيقة الدين والتدين، فالدين هو شرع الله تعالى وتعاليمه، اما التدين فهو فهمنا لهذه الشرائع وممارساتنا لها، فالاول الهي مقدس وثابت، اما الثاني فكسب بشري غير مقدس وغير ثابت، ونحن هنا نتحدث عن التدين لا عن الدين، وعن اخطاء المتدينين وعلل التدين وامراضه - وهي للاسف كثيرة - لا يخلو احد من الناس منها، بعضها مصدره الجهل وبعضها سببها التقدير الزائف للذات لدرجة احتقار الآخرين، او التعصب او الانفصام بين الاقوال والافعال، وهي كلها تصب في اتجاه الاعتناء بالظاهر مع اهمال الباطن، بمعنى ان المتدين يعتني في تدينه بتحسين الاعمال والصفات الظاهرة والمرئية والملموسة، ويحرص على الالتزام بالعبادات شكلياً، بينما لا يبالي بعكسها مما لا يراه الناس ولا يظهر للعيان .
لفقهائنا - هنا - تقسيمات كثيرة لهذا النوع من التدين، فهو بحسب الشيخ محمد الغزالي تدين فاسد، يفسد البداهة ويمسخ الفطرة، وهو - عند الدكتور الريسوني - تدين منحط يراعي الشكل ولا يهتم بالجوهر، او تدين معكوس لا يراعي اولويات الدين ومقاصده، (خذ مثلاً التركيز على فقه النظافة بينما شوارع مدننا غارقة في الاوساح، وخذ مثلا ايضاً الاغداق والكرم في اقامة الولائم مقابل تضييع فريضة الزكاة..) او تدين محروس، وهو الذي لا يلتزم اصحابه بواجباتهم الا بالمراقبة والمطالبة والملاحقة، ومثال ذلك المتدين الذي يصلي ويصوم ولا يؤدي ما للناس عليه من حقوق الا بعد المماطلة والتسويف.. وثمة تدين مسيس وتدين متشدد.. الخ الخ.
ما وقع فيه بعض شبابنا المتدين للاسف، هو جزء من مشكلة التدين التي نعاني منها، فمع غياب الدعاة القدوة، والفقهاء المستنيرين المواكبين للاجتهاد على ضوء الموازنة بين ما قرره الشرع من احكام، وما يقتضيه الواقع ونوازله من انزال لهذه الاحكام في المكان والزمان، ومع تراجع أثر الدين في حياة الناس العامة نتيجة غياب تطبيقه، ومع تلوث البيئة المحيطة بهم وانتشار القيم البديلة الوافدة وانسداد الابواب المشروعة.. لم يجد شبابنا - وهم ضحايا بلا شك - إلا النوافذ غير المشروعة لتحقيق احلامهم..
 لقد اخطأوا - احيانا - في فهم الدين، وأسأوا الى قيمة التدين، وتجاوزوا الفطرة السليمة التي تستهدفها تعاليم الشرع بالتهذيب والترقية، لكن قبل ان نلومهم لا بدّ ان نسأل عن السبب؟ عن دور مؤسساتنا الدينية والتربوية؟ وعن مسؤولية دعاتنا وفقهائنا؟ وعن وسائل التوجيه والرعاية لشبابنا، وعن سوء استخدام الدين وتوظيفه، وعن الاشتباكات بين المراسيم والتقاليد وبين التعاليم الدينية، لدرجة ان العادات انتصرت في مجتمعاتنا على العبادات، لا بد ان نسأل عن كل ذلك ونجيب عليه قبل ان نحكم على هؤلاء الشباب بالانحراف او نحاسبهم عليه..
 صحيح انهم متدينون.. ولكنهم يخطئون، ومن واجبنا ان نصحح تدينهم ونأخذ بأيديهم الى طريق الصواب قبل ان تتحول مشاعرهم من الغربة عن مجتمعاتهم الى الغربة عن دينهم.. وعن انسانيتهم ايضاً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش