الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرومانسية السوداء في رواية «أبناء الوزارة» لحسين العموش

تم نشره في الجمعة 31 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد عبدالله القواسمة
لعلّ من البديهي القول إن المذاهب الأدبية لا يمكن أن تموت أو تختفي؛ لأنها ببساطة تعبر عن النفس الإنسانية بما يمور فيها من عواطف وأحاسيس وأفكار. لكن قد يطغى مذهب أدبي على آخر في مدة زمنية معينة، بل قد نلاحظ تجمع أشتات من عدة مذاهب في نص أدبي بعينه؛ فقد نلتقي في الرواية بأحداث ومواقف ووجهات نظر وأساليب رومانسية وواقعية وكلاسيكية وغيرها. لكن قد يغلب مذهب معين دون غيره على رواية ما وتحمل طابعه.
استنادًا إلى هذا، لا عجب أن نجد ملامح الرومانسية في الرواية الحديثة مع أنّ الرومانسية مذهب أدبي قد توارى بعد سطوع الواقعية بفروعها المختلفة: واقعية طبيعية، واقعية اشتراكية، واقعية نقدية، وبعد ظهور الرواية الجديدة التي تمردت على التصنيفات السابقة، على ما نلاحظه في كتاب «نحو رواية جديدة» لآلانروب غرييه.
كما لا عجب أن الإنسان سيظل في حنين دائم إلى الرومانسية البيضاء التي أعني بها، تلك التي تحمل معاني الحب، والتضحية، والفداء، وعشق الحياة، وحب الطبيعة والناس، وتمجيد العواطف السامية والحرية، والتغني بالذات الفردية. وفي المقابل سيظل الإنسان يأسى ويغرق في الكآبة حين تمتزج تلك المعاني السابقة بنقائضها من بؤس، وفقر، وظلم، وضياع، وسجن وتعذيب للذات؛ فتتحول تلك الرومانسية إلى نقيضتها فيما يمكن أن نطلق عليه الرومانسية السوداء.
لقد وقع اختيارنا على هذا النوع من الرومانسية للبحث عنه في رواية «أبناء الوزارة». (عمان: دار وائل، 2016) للدكتور حسين العموش، وهو روائي وإعلامي وأكاديمي معروف، صدرت له قبل هذه الرواية روايات: التلعة 2010، رجال للبيع 2012، سلامة الحافي 2013. وسيكون هدفنا هنا تبيان مواضع الرومانسية السوداء في الرواية، ومعرفة كيفية بنائها الروائي وهدفها.
 مواضع الرومانسية
العتبات النصية:
1. العنوان     
يحتوي عنوان الرواية على مفردتين: « أبناء»، و»الوزارة». وللعنوان كما يبدو دلالة مخادعة بأنها رواية سياسية، تتحدث عن فئة من علية القوم، ومن ذوي المراكز المهمة، ولكن يتبين لنا من القراءة الأولى أن المقصود من مفردة «أبناء» بأنهم الأيتام واللقطاء الذين عثر عليهم، وأدخلوا مراكز الإيواء. أما مفردة «الوزارة» فهي وزارة التنمية الاجتماعية. ولكن المفارقة أن الوزارة ــ كما تُظهر الرواية ــ لا تعامل أبناءها هؤلاء معاملة الآباء لأبنائهم فهي تقسو عليهم، وتُنيلهم العذاب والتنكيل؛ ففي العنوان دلالة ضدية لما يُبديه ظاهره، فضلًا عن دلالته المخادعة؛ فلماذا تفعل الوزارة ذلك تجاه أبنائها، فهم لا يستحقون منها إلا الرعاية والعون؟ إنه موقف رومانسي ساخر بل أسود أن يكون الإنسان ابنا يعامل بقسوة، ومحرومًا من شهادة ميلاد تخوله الحصول على هوية. كما تعترف وزيرة التنمية بذلك عندما ترسل إلى المفتي تسأله عن الطريقة السليمة لحصول كل من أبناء الوزارة،أي اللقطاء على شهادة ميلاد، ورقم وطني «وظل غيث (بطل الرواية) ورفاقه ينتظرون الإجابة التي لم تأتِ» (ص34)
2. الإهداء
يهدي العموش روايته إلى اللقطاء والأيتام الذين أدخلوا مراكز وزارة التنمية الاجتماعية وغيرها، ثم إلى كل أصحاب القلوب التي رفقت بهم. وإذا كان الإهداء يفيض عاطفة نحو هذه الفئة من المهمشين، ويدعو إلى الرفق بهم فإن وراءه رفضًا للظروف التي أدت بهم إلى هذا المصير. إنها الرومانسية التي يمتزج فيها الحب والرفض.
 علاقة الحب والكراهية
1. علاقة الشخصيات بعضها ببعض
تتجلى العلاقة الرومانسية في الرواية بين الشخصيتين الرئيسيتين: غيث الذي عثر عليه في سلة قش بباب مسجد إربد الكبير، وسارة التي عثر عليها ملفوفة بقطعة قماش قرب خيام النوَر في منطقة «أبو نصير». وقد أودع الاثنان في مؤسسة الحسين الاجتماعية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية. ويتعرف غيث إلى سارة، وتنشأ علاقة حب بينهما، ويتعلق أحدهما بالآخر حتى بعد أن يفترقا ويغادرا مؤسسة الإيواء، ولكنهما لا يلتقيان منذ ذلك الوقت، وكانا يخشيان الفراق. تقول له وهما في المركز: «يا ترى يا غيث رح نلتقي بعد ما نطلع من المركز؟» (ص 19)
في مقابل علاقة الحب بين الشخصيتين الرئيسيتين توجد علاقة كراهية بينهما من ناحية وبين مشرفات مؤسسة الحسين الاجتماعية من ناحية أخرى؛ فالمشرفة نهى تنادي غيث بأنه ابن حرام، وتفتح عليه حنفية دش الماء البارد لأنه بال على نفسه. أما سارة فالمشرفات كن ينادينها:»نورية» ومارست، المشرفة نرمين معها الشذوذ الجنسي.
ولا يلاقي غيث العذاب، وهو في مركز الإيواء من المشرفات والموظفين فقط بل من المجتمع أيضًا، فحين تقبض عليه الشرطة في أحداث جامعة اليرموك عام 1986م؛ لأنه لا يملك هوية تضربه مع أنه يعترف لهم بأنه لقيط:» وبعد ساعات من التعذيب وجد نفسه ملقى على باب الزنزانة، والنور قد أطفئ، فبكى قهرًا وظلمًا، وساحت دموعه على خديه. مرة أخرى يجد العذاب أمامه، ليس لشيء إلّا لأنه لقيط» (ص49)
وتبدو العلاقة رومانسية حالمة بين سارة بعدما تغتني وتصبح من صاحبات الملايين وبين ذلك الفنان السوري الذي تتعرف إليه باسم أحمد، وتتزوج منه بعد طلاقها من زوجها الأول جواد الذي أدخل السجن؛ لأنه يتاجر بالمخدرات. ثم تتحول هذه العلاقة إلى رومانسية سوداء، علاقة كراهية عندما يكتشف كل منهما بأنه خدع من الآخر؛ فهو قد أخفى عنها ديانته المسيحية وأن اسمه الحقيقي جورج. وهي أخفت عنه بأنها لقيطة، وتنتهي علاقتهما بالانفصال. ولم يكن سبب هذا الانفصال الاختلاف الديني بين الاثنين بل محاولة كل منهما إخفاء حقيقته عن لآخر.
2. علاقة الشخصيات بالمكان
كذلك تظهر علاقة الشخصيات بالمكان متراوحة بين الحب والكراهية. إذ تبدو مراكز الإيواء مواطن للكراهية؛ لأن فيها التعذيب والقسوة وسوء المعاملة وانعدام الحرية. يتذكر غيث مركز الأيتام الذي عاش فيه اثني عشر عامًا قبل أن يرحل إلى مؤسسة الحسين الاجتماعية حين بلغ من العمر ست سنوات، يقول: «هنا بدأ حياة من البؤس والإهانة هنا كنس حمامات الإدارة وعالج الأوساخ بيده..» (ص29)
أما سارة وهي في مركز اللقطاء فعرفت نوعين من الخوف: الأول من الضرب المبرح، والثاني خوفها من الداخل و» هو الخوف الأكثر فتكًا» (ص123) لهذا نراها هي وزميلها يحاولان الهروب من المركز، واستطاع غيث الهرب عدة مرات، ولكنه كان يعود إلى المركز في كل مرة؛ لأن الخارج ليس بأفضل من الداخل؛ فالكل ينظر إليه بأنه لقيط. وتحقق الهرب لسارة في محاولتها الأخيرة لكنها سقطت بين أنياب الشاب علي، الذي تعرفت إليه أثناء تردده إلى المركز ليصلح الأبواب بوصفه نجارًا.
وفي المقابل، كانت العلاقة علاقة حب بين غيث وتلك الغرفة التي استأجرها في مدينة إربد وتسلم مفتاحها من صاحبتها. لقد أحس براحة لم يحس بمثلها من قبل: «رغم أن المفتاح كان باردًا بفعل برودة الطقس إلّا أنه شعر بدفء جلبه إليه المفتاح» (ص40) بل إنه عندما رأى من النافذة بيوت إربد وعماراتها وحدائقها» تأكد بأنه امتلك العالم بين يديه»(ص 41). وبدت الشقة التي تضمها غرفته مكان خير وبركة؛ فاشتراها ووسعها فهو يؤمن أن بابها «باب الرزق الذي فتحه الله له» (ص93)
وغدت علاقة سارة بالمكان علاقة تعارف بعد أن كانت علاقة خوف ورعب. ففي البداية تراءت عمان لها شيطانًا، وهي تحس بأنها طارئة عليها وعلى أهلها «وبعيدة كل البعد عن ساكنيها» (ص58) وعندما رأت قصور عبدون وفللها والمقاهي على دوارها أدركت أن الحياة لا تنتهي في «أبو نصير»، المكان الذي قذفها إلى الشارع. وبدا شارع الجامعة شارعًا عاديًا، وليس مثل حنش كما كانت تراه سابقًا. كما أنها راحت تستمتع بجمال المناطق التي زارتها في سوريا:اللاذقية، وريف دمشق، وطرطوس، وبلودان، وكسب وغيرها. ويلاحظ أن الرواية تقدم الأماكن في أسلوب يستعيد أدب الرحلة، فنقرأ على سبيل المثال ما تورده عن شاطئ طرطوس الذي زارته سارة:» فقد تعرفت إليه فعرفت بأنه شاطئ بحري جميل تقابله الجزيرة السورية الوحيدة أرواد، وهي من أجمل الأماكن في سورية يمتزج فيها التاريخ والحضارة العربية الإسلامية والفينيقية، وتبعد عن طرطوس ثلاثة كيلومترات يجتازها الزائر بالقوارب البخارية» (ص123)
 رؤى ومواقف 
في رواية أبناء الوزارة نعاين الرومانسية السوداء في رؤية غيث بأن له أمين: الأم الأولى هي التي أرضعته، والأم الثانية، هي سلة القش التي وُضع فيها ووضعتها أمه أمام المسجد، وألصقت بها ورقة مكتوب عليها «أمانة في أعناقكم». وفي هذه الرؤية التي تتحول فيها الأرحام سلالًا وصلة الرحم قشًا إشارة إلى موت الأمومة في نفسه. ومع ذلك يحمل عقدة فقد لأم؛ لهذا فهو دائم البحث عن أمه حتى إنه أقام علاقة مع نجمة كان يناجيها من شباك المركز بانها أمه» وحين تحجبها الغيوم في أيام المطر كان يعاتبها ويبكي لغيابها .. كانت تبكي حنينًا عليه.. لكم تمنى أن يطول ويطول ويطول ليلمسها... تقص له كل ليلة حكايا الأرض والسماء.. فيسألها عن أمه .. قالت له ذات يوم وقد ظل يبكي حتى الفجر: أنا أمك» (ص14)
أما سارة التي تحولت إلى فتاة ليل بعد أن حدث لها ما حدث مع النجار علي، وزواجها من جواد الذي أثرى بالقوادة وتجارة المخدرات فإنها لم تزل تحب غيث وتتذكره بل إنها أسمت الولد الذي أنجبته من جواد على اسمه، واحتفظت بالخاتم الذي أهداه إليها في الزيارة التي أعدتها وزارة التنمية إلى البتراء،حيث كانا في مركز الإيواء قبل أن يفصل الذكور عن الإناث. لقد أصبحت مومسًا رومانسية فاضلة تدين أفعال زوجها جواد، وتمتد إدانتها إلى القوادة السياسية التي هي في رأيها أنصع بياضًا ووضوحًا من « قوادة الأندية الليلية، إنه أكثر شرفًا من قوادة السياسيين» (ص81)، وتزداد سارة جرأة حين تذكر الأسماء الحقيقية لبعض السياسيين، وتنتقد بعض أصحاب المراكز المهمة في الأردن، ومن بينهم الوزراء، فنقرأ في سخرية مرة:» رئيس الوزراء يمارس الهبل على المواطنين، ووزير البيئة يلقي بنفايات تصريحاته في وجوه مشاهدي التلفزيون الأردني، ووزير الأوقاف يتملق رئيس الوزراء على حساب الدين الحنيف، ووزير التخطيط يخطط لمستقبله السياسي، ووزير الخارجية خارج في نزهة سياحية، ووزير البلديات لا يعرف شيئا عن البلديات الا الاسم، أما وزير الأشغال العامة فإنه يفهم في عامة الأشياء ما عدا الأشغال العامة، ووزير الثقافة آخر كتاب قرأه في الصف الخامس جيم».(ص81)
يلاحظ أن سارة ضمن رومانسيتها السوداء تنتقل من انتقاد بعض السياسيين والسخط عليهم إلى انتقاد غيث والسخط عليه؛ لأنه لم يبحث عنها طوال تلك السنوات التي مرت منذ فارقها أول مرة؛ فهي ترى الحب» ليس دولاب اليانصيب الخيري الحب خيار واختيار الحب أن تؤثث للحبيب بيتًا في قلبك» (ص139)
وتتجلى هذه الرومانسية في ذلك الحدس الذي اتصف به غيث، الشخصية الأولى في الرواية عندما انتفض فجأة في خضم البحث عن أمه، فتذكر البيت المتواضع الذي كان قد رآه في منطقة الغور، وأيقن بحدسه بأن أمه فيه. يقول للشيخ أبي رسمي الذي رافقه إليه:» قلبي لا يكذب أمي موجودة على مقربة من هذا المكتب، هنا في الأغوار» (ص149) وعندما يرى المرأة التي تسكنه يجزم بأنها أمه.لكن مع هذا لا يصارحها بأحاسيسه نحوها بل يدعوها إلى أن تشتغل عنده ليجري عليها اختبارات DNA حتى يؤكد صحة حدسه.إنه في هذا التردد عن مصارحة تلك المرأة بحدسه يشبه تردد هاملت في أخذ الثأر من قاتل والده، إنه يريد التأكد من معرفته. أما المرأة نفسها فتظن الاثنين من وزارة التنمية الاجتماعية جاءا لمساعدتها.نعجب من هذا الموقف؛ فحدس الأم عادة يكون الأقوى والأسبق في الاستدلال إلى ابنها، لكننا نرى أن الابن هو الذي يحدثه قلبه بأن المرأة هي أمه.
ومثل هذا الموقف المتردد الذي لا تقدم الرواية سببًا مقنعًا له نجده في نهاية الرواية؛ إذ يلتقي غيث بسارة في نصيب على الحدود السورية الأردنية، فقد أعلمه الشرطي بأنه مطلوب لمراجعة المخابرات السورية في دمشق للتحقيق معه؛ لأنه زار مخيم اليرموك. وكذلك سارة فكانت مطلوبة مثله لشعبة الأمن السياسي في دمشق، فمع أن غيث عرف بأنها سارة، وعرف أن الخاتم الذي في يدها هو الخاتم الذي أهداه إليها فإنه لم يعرفها بنفسه، فيحدث نفسه: « مرة أخرى تخونك الرجولة يا غيث، مثلما خانتك الحياة.. مرة أخرى يعجز لسانك عن الحديث مع سارة وتعريفها عن ذاتك. مثلما عجزت عن تعريف أمك عنك» (ص221) وهي مع معرفتها به تنأى بدورها عن الحديث معه، وتكتفي بقولها لابنها غيث على مسمعه عندما يصعدان معًا في سيارة واحدة: « لا تبكي يا غيث الرجال ما بتبكي» (ص223)
ويتماشى مع هذه المواقف المحيرة في رسم الشخصية؛ فغيث صاحب الخط الجميل، المتفوق في لعب الشطرنج على مدير المركز «بطريقة كش ملك» (ص25) والذي يكتب أكثر من عشرين تقريرًا لمحقق المخابرات عن طلبة جامعة اليرموك لم يعرف إلا لاحقًا أنّ مجموعة كبيرة من الطلبة يهتفون شعارات وكلمات «يطلق عليها مظاهرة» (ص71). وكذلك فإنه لم يعرف ولم يسمع بالهوية الجامعية لطلاب الجامعة؛ فعندما طلب منه حراس الجامعة هويته صرح بأنه أول مرة يعرف أن لكل طالب هوية جامعية. (ص46)
 كيفية القول وهدفه
تقدم رواية «أبناء الوزارة» فضاءها بتناوب السارد العليم السرد المباشر عن الشخصيتين الرئيسيتين، وتستخدم التقطيع للانتقال بالحديث من شخصية إلى أخرى. يتناسب مع هذه التقنية تلك الحياة المضطربة التي تعايشها الشخصيتان؛ فالشخصية الأولى، غيث، في خضم معركته لتحقيق الذات بالوصول إلى الثراء، تتحكم فيه عقدة فقد الأم، والإحساس بضرورة العثور عليها حتى يبعد عن نفسه التهمة بأنه لقيط.فضلًا عن ذلك لم ينس سارة وبنى مبرة باسمها. أما سارة فإن حياتها توزعت بين الزواج من تاجر المخدرات، ثم الطلاق منه، وبين الزواج من الممثل السوري والانفصال عنه، فضلًا عن تمني لقاء غيث. لكن، لم يكن لقاؤهما في نهاية الرواية ينم عن وجود حب أو حتى تعارف بينهما فلا يتبادلان الحديث في أثناء اعتقالهما في سيارة شرطة الأمن السياسي السوري، رغم أن كلًا منهما كان يبحث عن الآخر أكثر من خمسة عشر عامًا. لقد تنازعت الشخصيتين عقدتان متناقضتان: عقدة الحب والبحث عن الحبيب، وعقدة الهرب من الماضي.وفيهما معًا كانت مأساة الشخصيتين، التي تجلت في الرواية على شكل رومانسية سوداء هدفت إلى إظهار مسؤولية المجتمع عن ضياع أبنائه، من الأيتام واللقطاء.
 الخلاصة
إن رواية أبناء الوزارة لحسين العموش تعد المثال الواضح للرومانسية السوداء، التي تصطدم بالواقع؛ فتنتقده وتدينه في سعيها إلى واقع أجمل، يتمتع فيه أفراد المجتمع كلهم بالمساواة، والعدالة، والكرامة، والحرية. وهي رومانسية لا ينتصر فيها الحب لا بسبب الظروف الاجتماعية وحدها بل بأحوال المحبين أنفسهم أيضًا. لهذا فهي تنهض بالمفاجآت، والخيالات المختلفة في عالم لا يخضع لمقاييس العقل، ويتصف أبطالها بالتوهان العاطفي، والضياع العقلي. وهي مع ذلك على نقيض رومانسية عبد الحليم عبدالله في رواية «لقيطة»، ومثالية المنفلوطي ورومانسيته الغارقة في الدموع والحزن في «النظرات»، و»العبرات». كما تتخطى روايات الأشباح والعوالم المظلمة؛ لتجمع في فضائها بين الحب والكراهية، بين الخوف والجرأة، بين التردد والإقدام، هادفة في النهاية إلى الوصول إلى عالم إنساني خال من الفساد والظلم والطغيان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش