الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البيئة الحاضنة للتطرف والإرهاب

د. رحيل محمد غرايبة

الأربعاء 29 آب / أغسطس 2018.
عدد المقالات: 524


يبدو أن البيئة المناسبة لاستنبات بذور الإرهاب والتطرف تصنع صناعة، وهي ثمرة طبيعية لمجموعة من العوامل والأسباب التي تجتمع وفق منظومة معقدة ومتشابكة من الأمور المنظورة وغير المنظورة على مختلف الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية في سياق مراحل زمنية متتابعة تؤدي إلى تراكم بطيء ومتدرج لمولدات التطرف، حيث أن التطرف نبته غريبة وشاذة عن الحياة الإنسانية الطبيعية والفطرة البشرية السليمة، فلا تشق طريقها للحياة الاّ في ظل الخلل والاختراق للمجتمعات المتجانسة.
يقول الماوردي الفقيه السياسي المعروف في كتابه أدب الدنيا والدين أن صلاح الدنيا مرهون بتوافر ستة أصول أو قواعد : دين متبع وسلطان قاهر وأمن عام وعدل شامل وخصب دائم وأمل فسيح، ويتفرع عن كل أصل مجموعة من الفروع العديدة، وبحسب رأي الماوردي أن الصلاح والاستقرار الدنيوي يقتضي وجود قانون نافذ ومطاع ووجود حاكم نافذ الأمر على الرعية، وتوفير الأمن والأمان لجميع الناس على أنفسهم وأعراضهم وأرزاقهم، وعدالة تمنع الظلم والعدوان وتتيح المساواة بين الأفراد على صعيد واحد، بالإضافة إلى حسن الاستثمار في الأرض وبناء الاقتصاد الوطني، ولم ينسَ الماوردي اشاعة الأمل الفسيح أمام الأجيال بحياة سعيدة ونهوض قادم لامحالة.
نقيض الأمور السابقة يشكل البيئة الحاضنة للإرهاب والتطرف فإذا انعدم القانون وجرت شريعة الغاب، وشريعة الغاب هي التي تغذي أصحاب القوة بالاستيلاء على حقوق غيرهم، وفي غيبة القانون تظهر النزعة نحو تحصيل الحقوق بقوة اليد خارج النظام.
وعندما تسود الفوضى وتظهر معالم الدولة الفاشلة وترتخي قبضة السلطة على أطراف أرضها، يشكل بيئة مناسبة لاستنبات بذور التطرف والإرهاب التي تترعرع في غيبة السلطة القاهره وعندما ينعدم الأمن تظهر العصابات التي تتمرد في ظلال الخوف المجتمعي وانفراط الأمان المجتمعي الشامل، وكذلك عندما يختل ميزان العدالة، ويشعر الأفراد بمرارة الظلم وعدم المساواة أمام وظائف الدولة، وتصبح رهينة الوساطات والمحسوبيات والرشاوي بعيداً عن معيار الكفاءة والقوة والأمانة، فإن ذلك يشكل عاملاً مهماً لنمو ظاهرة التطرف.
ونقيض ( الخصب الدائم ) هو تدهور الأحوال المعيشية وضعف الانتاج، وانعدام الاستثمار وتراكم الديون، واتساع شرائح الفقر وزيادة العاطلين عن العمل، يشكل بيئة خطرة تهدد الأمن القومي وتسمح بظهور أساطير الفساد الذين يجدون ضالتهم في هذا الجو المريض.
ونقيض الأمل الفسيح يتمثل باشاعة الاحباط واليأس والقنوط لدى الناس، واتساع دائرة القلق نحو المستقبل الغامض، وشعور الاجيال بالأفق المغلق والجدار المسدود، مما يهيىء لظهور مفاجآت غير محسوبة، تؤدي إلى رسم لوحة بائسة للمجتمع، تصلح لمثل هذه الظواهر الشاذة.
في مواجهة منظومة عوامل التطرف، لابد من منظومة أخرى تقابلها، والقدرة على استنبات بيئة صحيحة تقوم على مجموعة ركائز ذكرها الماوردي وغيره، ويمكن ترجمتها باللغة المعاصرة إلى اصلاح سياسي يقوم على تحقيق مشاركة شعبية حقيقية واصلاح اقتصادي يقوم على مبدأ الاعتماد على الذات بتقوية الانتاج الوطني، وإيجاد بيئة استثمارية حقيقية قادرة على تشغيل العاطلين عن العمل وتجفيف جيوب الفقر، بالإضافة إلى إيجاد نظام تعليمي يعتمد بناء الإنسان الأردني وبناء المجتمع المتماسك المتجانس ثقافياً والموحد في الهوية والرؤية، وبعد ذلك إيجاد مشروع نهضوي متكامل يجتذب الكفاءات والتخصصات في عملية البناء الحضاري الشامل الذي يلبي طموح الأجيال ويتواكب مع الانجاز الحضاري العالمي بقوة واقتدار عبر المعرفة والبحث العلمي الرصين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش