الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يا ابن قلبي....

تم نشره في الاثنين 13 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
د.هناء بنت علي البواب

اليوم كبرتُ يا أمي لأبدأ بتحسس مكامن الحياة فيّ، اليوم فقط أدركتُ أنني من ذاك الطين الذي خلق منه غيري... ولكن صدمتني الألوان التي ارتسم منها طين كلّ منّا... أأنا من نفس طينة ذاك الأسمر، وتلك الشقراء، وذاك المكفهر، وتلك الحمراء...و...و...؟
من يومها عرفت أنني الابنة الضَّالة للطين، أذهب إليه ليُغطيني بغطائه الملوّن، فما عدتُ أميّز الألوان ولا الأشكال.
أذهب إليه حزينة فيُجفّف شَجني بريح النَّايات التي رسم ملامحها على جذوعنا المتكسّرة من وجع العمر المهترئ في الطرقات، أذهب إليه جائعة  ليطعمني من توت الفتيات الجميلات التي تشكّلن منه بزهو مختلف.
أنتظره كل مساء عند سفح الجبل، وأرقبه وهو يرسم مفاتن الوجع على جباه العطشى المحرومين من الفرح المنسيّ.
هناك ألوان مختلفة منبعثة من بين وجناتهنْ، هي في الحقيقة رائحة قلوبهنْ المرتوية بكل ذاك الحب الأزلي، وحده الطين من شكّلها وجعلها في قلوبهن.
هناك فتيات ألوانهن كأباريق وضعت منذ عصور لتُشوى عليها جلود الرجال الذين تمرّسوا في تعذيب قلوب النساء.
وحدك أيها الطين من رسم تلك الخطوات الموهومة في الطرقات لتكتم أنينًا مزّق الحواجز ولم يسمعه أحد، لذلك هم خارج حاجز اللون والتكوين.
تلك الألوان الممتدّة في عروق جباههن السمراء ليست سوى أمنيات الأطفال الرضع حين تركتهم أمهاتهم على قارعة الطريق، ولم يسألن عنهن لأن الحزن أشغلهنّ عن الرضاعة.
وحدك أيها الطين المتلاعب بأجسادنا، سأنتظرك وأنت تجرّ قطيع ذئاب يضع مخْلبًا لحدسي، ويملأ فمي بالحنين.
سأصعد الآن إلى القمّة، سآتيك عند حافة النّهر، سأضع رمحا مسنونا في رؤاك لترحل بعيدا وتتركنا نتشكّل كما نريد.
الألوان ليست سريرا للبراءة، سنلتقي معا، وسيغيب النور، وسنطفئ النجمات، وسنتعالق ببعضنا، ولن تكون بريئا من لوني.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش