الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفساد بين « الكومبارس والهوامير»

حسين الرواشدة

الأربعاء 25 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 2562

من المفارقات ان الفساد الذي كان حاضرا في المشهد العام منذ اكثر من سبع سنوات دون ان تتمكن الحكومات من «القبض» على رؤوسه الكبار خرج فجأة في قضية من الوزن الثقيل ما تزال تشغل الرأي العام، عرف الناس حتى الان «الكومبارس» المتهمين فيها، لكنهم لا يعرفون كيف ظهرت ولماذا ومن هم ابطالها الحقيقيون، وما هو المصير الذي ستنتهي اليه.

لا تعليق بالطبع على مجريات التحقيق وتفاصيل القضية المتعلقة «بالدخان» ومشتقاته، فقد اصبح الامر بعهدة القضاء، لكن لدي ملاحظتان : الاولى ان ما حدث لم يكن مفاجئا ولا صادما بالنسبة للاردنيين الذين ادركوا مبكرا بحسهم الوطني ان وراء «البلوى» التي اصابت بلدنا غول اسمه الفساد، ومع ان ذاكرتهم ما تزال تحمل صورة الملفات والنقاشات والمحاكمات التي اغلقت وتوقفت لطي الصفحة وتبرئة المتهمين الا انهم لم ييأسوا من المتابعة ودب الصوت لوقف هذا الوحش الذي اكل اموالهم واعمارهم، اما الملاحظة الثانية فهي تتعلق برهان الناس على هذه الحكومة التي وعد رئيسها ان يكون انتحاريا في هذه القضايا، والرهان هنا لا يرتبط بالامال ولا بما قد يحدث من خيبات وانما بمستقبل ووجود الاردن في مرحلة من اخطر المراحل التي يمر بها، والسؤال : هل ينجح الرزاز في هذه المهمة ام لا، سيبقى برسم اجابة الثقة التي يبحث عنها الرجل (والدولة ايضا ) لتجاوز الالغام التي تحاصر البلد من كل مكان.

من المفارقات في ملفات الفساد ( وما اكثرها واغربها ) ان لدى الناس اسماء محددة عن الفاسدين واعوانهم، وتفاصيل عن ممارساتهم وتجارب النهب التي تورطوا فيها، لكننا لا يمكن ان نطمئن لهذه الأحكام التي تصدر في الصالونات والشارع ما لم تحضر الأدلة والبراهين والقرائن، وهذه وظيفة العدالة التي يفترض ان تقام موازينها، كي نتجنب عواصف الشائعات واغتيال الشخصيات وخلط الاوراق.

من المفارقات –أيضا- أن الصراع على ملف الفساد أصبح بين الفاسدين انفسهم، لهذا نخشى أن تتحول المعركة ضد هؤلاء الى «فخ» لا نعرف كيف نخرج منه، واذا سألتني كيف؟ سأقول لك إن بعض القضايا التي تطرح في الإعلام أو حتى في الشارع ليست اكثر من مكائد رتبها بعض المتورطين في الفساد لإشغال الناس بها او لتصفية حسابات بينهم او لتضخيم الظاهرة بحيث يبدو من المستحيل معالجتها، ناهيك عن تصريحات تحذيرية سمعنا بعضها تهدد وتتوعد بكشف المستور او بتوريط الجميع على قاعدة «عليّ وعلى اعدائي» وهذه كلها مجرد مناورات يائسة يريد الفاسدون من خلالها ان يأخذونا الى مكان آخر أو أن يوجهوا نقاشنا حول الفساد او دعواتنا لمحاكمته إلى أجندات صمموها وغايات ومقاصد غير بريئة ايضا.

لا نريد –بالطبع- فتح ملفات الفساد لمجرد فتحها فقط، أو لمجرد بعث رسائل تطمينية الى «الناس» أو لتقديم «أكباش» على قارعة الإصلاح لأن اعتماد هذه «المنهج» سيفتح الباب أمام مزيد من الشائعات ومزيد من الاحتقانات وعندها سنسمح لـ «الفاسدين» أن يهربوا أو ينتصروا ما دام لديهم «العدة» اللازمة لمواجهة هذه الانتقائية في المحاسبة، كما اننا سندفع باتجاه خصخصة جديدة للفساد تحتمي تحت مظلات جهوية او عشائرية او سياسية وتجد من يتحمس لـ «الدفاع عنها» ومن يبررها ايضا.

أعرف أن معركة الدولة ضد الفساد ليست سهلة وأن الطريق لـ «جلب» كبار الفاسدين ليست معبدة تماما، لكن ما دام هذا الممر أصبح إجباريا باتجاه تجاوز أزمتنا ومشكلاتنا وباتجاه اقناع الناس بأننا جادون في الإصلاح والتغيير فلا بد ان نقتحم هذه «الأعشاش» ونتحمل «لسع» إبرها واشواكها ولا بد من تطهير تربتنا لتعود كما كانت ولنبدأ على «بياض».

السؤال هنا هو : كيف؟ اعتقد ان الاجابة مرتبطة بمسألتين، الاولى ارادة الدولة على مواجهة الفساد الكبير و»هواميره» بدون استثناءات وبلا رحمة ايضا، والاخرى ان يتولى التحقيق لجنة قضائية من كبار القضاة الموثوق بهم، بحيث نضمن ان لا يخضعوا لضغوطات الوظيفة او عسر اجراءت البحث عن المعلومات من مصادرها، على ان توضع بعد ذلك امام موازين العدالة لكي تصدر احكامها .

بالمناسبة، لا أدري لماذا نصوّب انظارنا كلها باتجاه من اعتدى على المال العام او من نهب الأراضي «والمصاري» ونغض الطرف عن فساد أخطر خرج من رحم «تجاوز الصلاحيات والمسؤوليات»، كما حدث في قضية «الدخان» التي ما كان لابطالها من الفاسدين ان يفعلوا ما فعلوا لولا ان الموظف العام فتح لهم الباب، وخطر هذا الموظف الذي خان الامانة ومن يحميه من طبقة السياسيين أنهم سرقوا اعمارنا وارادتنا،واورثونا تركة ثقيلة من قيم لإفساد السياسي وتخريب وافقار الحياة العامة، والعبث بـ» أصوات» الناس في الصناديق وغير الصناديق، وايجاد طبقة من المتنفعين الذين افسدوا ذمم الناس.. واغتالوا احلامهم أيضا.

لا أدعو –بالطبع- لغض الطرف عن أولئك الذين تورطوا في قضايا الفساد وتم ضبطهم واشهار اسماء بعضهم، ولكن أريد أن نصوّب انظارنا –ونحن نفتح الملفات- على هؤلاء الذين يقفون لحمايتهم من وراء الكواليس فهم يمثلون الفساد الأكبر.. هذا إذا كان للفساد طبقات ومراتب.. ولمكافحته ايضا اولويات واعتبارات ودرجات ايضا.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش