الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حارق خارق متفجر ..

تم نشره في الاثنين 23 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
بشار جرار – واشنطن


ما عادت الكلمة طلقة كما علمونا في حداثة عهدنا بالصحافة. الكلمة صارت في زمن الإعلام الجديد مقذوفا حارقا خارقا متفجرا. رويدا رويدا، تسللت الهواتف الخليوية النقالة بين ظهرانينا وأضلعنا وأحكمت الشبكة العنكبوتية خيوطها فعشعشت في رؤوس لا ناصية لها وصدور عمت فيها القلوب. لله دره علي، أبو الحسن فادي محمد العربي الهاشمي، والأمين على رسالته وبيته وعترته الطاهرة الظافرة، يوم أطلقها صرخة ونداء صمًت عنه الآذان: كلمة حق يراد بها باطل.
اللهم إني أشهد ومن واقع خبرة واطّلاع، أن كثيرا من الجوقات تعلو وتخفت بحركة خفية متفق عليها بين العازفين والمايسترو. وفي زمان التواصل الاجتماعي الافتراضي الذي كثيرا ما يكون زائفا ومغرضا، بإمكانكم مشاهدة فيديو يقوم به المايسترو بقيادة أوركسترا شعبية عالمية ليس رقصا على إيقاع حركاته وإيماءاته بل وغناء بأداء أوبيرالي محكم الضبط، والربط فيه لا يعدو عن كونه حركة يد عادة ما ترتدي قفازا أبيض يوحي بالطهر والنظافة.
ليست عمّان مكة ولا المدينة في عهد الرسالة أو الهجرة، وما كانت ربة عمون يوما مدينة أفلاطون، لكنها بالتأكيد ليس جهنم دانتي ولا ملهاته. فمن أين تتوالى - بالله عليكم – العواجل المشؤومة تلك التي تطالعنا بها منصات التواصل الاجتماعي ومن بعد المواقع الإخبارية التي أشبه ما تكون بمحاكاة لظاهرة دكاكين الأحزاب الخاوية؟ لا يكاد يخلو يوم من «فضيحة» أو شائعة أو خبر ملغوم أو مسموم.
بلاد مشهود لها بالأمن ويعتد برجال أمنها عالميا، لا يمكن أن تكون كما يراد لها «افتراضيا» بلادا «خربانة». الأردن الذي كان يراهن أعداؤه في الجوار في عنتريات الخمسينيات وعنجهيات الستينيات ولوثات السبعينيات من القرن المنصرم على ضعف إرادته خرج من كل أزمة أقوى من سابقتها رقما صعبا لم ولن يستطع أحد تجاوزه.
كثيرون خرجوا قبل أشهر بمظاهرات التأييد ونظموا قصائد الانتماء والولاء، لكن البعض -عن سوء نية أو سوء تقدير- يطلق النار على ما رفعه سابقا من شعارات. الفارق أن هتافات وأشعار المناسبة الأولى ذهبت مع الريح، إلا أن ما يقال ويكتب وينشر ويعاد نشره تعليقا حتى وإن كان استنكارا لا بل تفنيدا وتقريعا، إنما هو كما قلنا وقال غيرنا كثيرون بمثابة مشاركة في جريمة الكذب والافتراء والتشويش والتشكيك. ففي عالم التواصل الاجتماعي «ناقل الكفر كافر» بمعنى تحمله لتبعات ما يعيد نشره تماما كما هو غرض الناشر الأول الذي وفي أحيان كثيرة ما هو إلا «واحد مننا» على رأي البرنامج المصري الشهير. واحد من الناس الذين تحركهم من حيث لا يعلمون إيماءات وإيحاءات المايسترو. الفارق الوحيد إنهم لا يرون قفازتيه ناصعتي البياض ولا رفاقهم في الجوقة والأوركسترا.
نعلم جميعا عبر مقاعد الدراسة أو حتى كنبات دور السينما العربية والعالمية، أن هناك وفي جميع دوائر الاستخبارات في العالم حتى في جزر الواق واق، قسما متخصصا باختلاق الإشاعات وآخر متخصص في محاربتها. ليس سرا أن مواقع كثيرة وأسماء كثيرة في العالم الافتراضي تحمل أسماء وهويات لا افتراض ولا اعتباط فيها وإنما تخطيط محكم. هناك أيضا باروميتر يقيس وتيرة إطلاق الشائعات وصنوها في الضرر الأخبار المغرضة والتي قد تكون صحيحة كليا أو جزئيا. الغاية في الحالات كلها هو إحداث بلبلة ما أو ضغط ما أو مجرد توليد شعور بالضيق والتململ، فعدم الرضى والأسى فاليأس والإحباط.
نعلم أيضا وبالفطرة أن أي عمل يتطلب أكثر من شخص بحاجة لقيادة وروح فريق، فتأتي تلك العواجل العجاف بالدسم السمان بالسم، لتنال من قائد العمل وتدب الشقاق والتنافر والاحتراب في صفوف فريقه. هذا «الوسواس الخناس» ينخر في صاحبه قبل أن ينال من رفيقه والمحصلة جميعنا محبطين غافلين والمايسترو في وكره من الآمنين الغانمين.
يعلم ذوو الاختصاص - ولا نضيف لعلم القارئ شيئا - أن الحكيم من «جبر قبل الكسر» بتفادي الوقوع والإصابة أولا. لا بد من تحصين أنفسنا من الشائعات والأخبار المغرضة بجملة من الأمور واحدة منها فقط بيد المسؤول وهي الشفافية وسرعة التعامل مع المعلومة وبشكل استباقي وقائي. الإعلام التقليدي الإنشائي الشاعري إعلام كارثي فهو بمثابة من يضع سلاحا فتاكا بيد عدوه أو أحد «جهّاله» باللهجة العراقية. أما نحن معشر المتلقين، فإننا غير ملومين ما دمنا جميعا – مسؤولين ومواطنين ومقيمين وسائحين ومستشرقين معنيين بأخبار الأردن – نتعامل مع الكلام بأنه «من غير جمارك». الناس لا شك أحرار فيما يفعلون ويقولون لكنها الحرية المسؤولة والكلمة التي نلقى الله عليها خيرا تركت أم شرا فعلت. نحن في مرحلة تصدق فيها مقولة «قل خيرا أو اصمت». فكثيرا مما نخوض فيه، ثرثرة وافتاء بلا علم، لم نقبل على أنفسنا أن نصبح طرفا في حرب أنظمة أو تجار أو مسؤولين سابقين يشاغبون على أمل الاسترضاء. أي بيئة جاذبة للاستثمار هذه بعد كل هذه السوداوية والظلامية؟ أي دعم نعطي لقيادتنا وهي تقارع الخطوب والضغوط؟
الكلمة والصورة والفيديو لم يعد يا سادة كما علمونا طلقة إن فلت عيارها تدوش إن لم تقتل وتدمي، فطلقة هذا الزمان حارقة خارقة متفجرة قد تحرق الأخضر واليابس وتخرق أخص خصوصياتنا وتفجر أقدس مقدساتنا.
لنتقي الله في قيادتنا ووطننا، وحتى لا يكون الكلام عاما أخصص وأقول إن القيادة في هذا السياق لا تعني سيدنا وحده وإنما كل من كان قائدك في موقع الخدمة. إن ضرب الثقة بيننا ليس لله ولا للوطن ولا للملك. واستهداف وطننا بالإشاعة والأخبار المغرضة لا يكون بالضرورة موجها ضد رموز أو مؤسسات سيادية بل قد يتسلل عبر استهداف سمعة بائع تين على بسطة أو متجر ذائع الصيت عبر أجيال وأجيال لبيع الحليب ومشتقاته أو عبر عطّار يبدع في خلطاته الشافية من زعتر وجعدة وبعيثران وقيصوم وإكليل الغار. 
أما المايسترو ذو القفازين البيضاويتين، فأكتفي بإهدائه زنبقة سوداء..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش