الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هل يريدون نقد الموروث أو نقضه؟

د.حسان ابوعرقوب

الاثنين 9 تموز / يوليو 2018.
عدد المقالات: 267

ترتفع دعوات بين الفينة والأخرى تنادي بنقد الموروث، والمقصود بالموروث كل ما توارثته الأمة، من دين أو أخلاق أو قيم أو فكر.
ولا شك أن عملية النقد مطلوبة، لكن كيف يُمارَس هذا النقد؟ عملية التفكير النقدي تستند إلى تجميع المعلومات وتحليلها والاستنباط من خلالها، لكن كيف يدير بعض دعاة نقد الموروث هذه العملية النقدية؟ إن ما تفهمه من كتاباتهم وتصريحاتهم مؤداه أن نقد التراث يعني نقض التراث، أي هدمه ومحوه من الوجود؛ بحجة أنه لم يعد صالحًا لا زمانا ولا مكانا من وجهة نظرهم.
فعلى سبيل المثال، إذا نظر أحدهم في المسيحية رأى فقط ما فعلته محاكم التفتيش وما نتج عنها من قتل للأنفس البريئة، وإكراه للناس على خلاف ما يعتقدون، ولا شك أن تلك المرحلة كانت من أسوء المراحل، لكنها انتهت وانقضت، ولا يمكن أن أحكم على دين من خلال تصرف أبنائه المخالف لتعاليمه.
وكذلك إذا تأمل أحدهم في الإسلام حصره فقط بما يحصل من الإرهابين الذين ينسبون أنفسهم إليه، وأن هذا الإرهاب قد نتج عنه قتل الأبرياء والتنكيل بهم، ولا مراء أن هذه الأفعال تتنافى وتعاليم الإسلام السمحة، لكنها لا تعدو أن تكون تصرفات فردية، لا يجوز نسبتها للإسلام.
فهذه الفئة من الناس لا تريد نقد الموروث بل تريد إلصاق الأخطاء به، لنصل إلى نتيجة مفادها أننا لن نتحرر، ولن نتنوّر، ولن نتطوّر، ولن يكون لنا فكر حر إلا إنْ تخلصنا من هذا الموروث الفظيع، الذي غرق بدماء الآخرين، وسبّب لهم نكد العيش.
إذا أردنا النقد ينبغي أن نتحلى بالروح العلمية التي من أبسط مقوّماتها الصدق والتجرد، ولو نظرنا في الأديان السماوية لوجدنا أنها تدعو إلى عبادة الله، كما تؤسس للفضيلة، وحسن الخلق، وحب الجار، والصدق والإخلاص، والتقوى...الخ. ثم إن كثيرًا من أخلاقنا الحسنة، وسلوكياتنا الطيبة هي من موروثنا الديني والثقافي والاجتماعي، وربما خرج بعض الناس عن هذا الطريق، لكن ذلك لا يعني أن المرجعية غير صحيحة، وأنه لا بد من هدمها وإزالتها، لأن من الإنصاف أن نفرق بين التعاليم الموروثة، وبين سلوك الأشخاص، خاصة لمن يعتبرُ نفسه مفكرًا.
لا يرى هؤلاء في تراثنا أي بقعة من أمل أو خير، مع أنّ الخير فيه كثير، وإنما عداوتهم للدين والأخلاق نبعت من قدمها الزمني، فالقديم عندهم لا يصلح للحياة المعاصرة، وإذا سألتهم: ما البديل، وإلى أين تريدون الوصول، وهل عندكم تصور لما بعد قتل الموروث؟ أجابوا: الفكر الحر، والعلم هو البديل. ونجيب: أن هذا ما ننادي به ضمن ديننا، الفكر الحر والعلم. لكن من أين سنأتي بالمنظومة الأخلاقية التي تجمعنا جميعًا، وتكون عقدا اجتماعيا نتّفق عليه؟ ما المرجعية للأخلاق المقبولة وغير المقبولة؟ يجيبون: إنه العقل. فنقول: وعقول الناس تتفاوت، وأذواقهم تختلف، وتجاربهم تتنوع، فمن الناس من يرى الحجاب فضيلة، ومنهم من يراه قيدًا، ومن الناس من يرى برّ الوالدين طاعة، ومنهم يراه إضاعة للوقت، ومن الناس من يرى وجوب حفظ الأمانة، ومنهم من يراه نفاقا لا داعي له، فما المرجعية لكل ذلك ولمن نحتكم؟ يقولون: نترك كل واحد لضميره يحتكم إليه، فنجيب: ستتحول الحياة عندها إلى غابة لا تصلح للبشر، فيقولون: نعتمد على أقوال الفلاسفة والمفكرين، فنجيب: إذًا عطلتم فكري الحر، ومنهجي العلمي لأكون تابعًا لبشر مثلي، وعندها أفضّل أنْ أترك منهج البشر، لأتّبعَ منهج ربّ البشر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش