الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النثر الخيالي أم النثر التخييلي؟

تم نشره في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • محمد-القواسمة.jpeg


]د. محمد عبدالله القواسمة
من البديهي القول إن الخيال نقيض الواقع، وعندما نقول النثر الخيالي نعني به النثر الذي يبتعد عن الواقع في عناصر بنائه وقوانينه. ومن هنا، تحت هذا المصطلح نتلمس قصص الجان والعفاريت والأساطير والخرافات عن الحيوان والنبات. وهذا النوع من النثر يختلف عن «النثر التخييلي» الذي يمتزج فيه الواقع بالخيال، الامتزاج الذي لا يمكن فصل مكوّنيه الأساسيين: الخيال والواقع إلا لتسهيل الفهم والدراسة، كما يتجلى في المقامات، والسيرة، والرواية، والقصة القصيرة وغيرها. 
لعل هذا الفهم يخالف ما ورد في كتاب د. دينا ملكاوي الموسوم بـ «النثر الخيالي في الأندلس في القرنين 5-6 هـ «.(عمان: الآن ناشرون، بدعم من وزارة الثقافة،2018) ففي هذا الكتاب مع أن المؤلفة تجترح مصطلح «النثر الخيالي» وتعرفه بأنه «الذي يجعله الأديب أساس الأداء في النص، أي الإطار الإبداعي كله، وليس الأسلوب الذي يستخدمه الكاتب لقضاء غرض بياني فحسب» (ص7) غير أنها تخرج من الناحية التطبيقية لتتناول أعمالًا أدبية أندلسية لا تعتمد الخيال أساسًا لإطارها الإبداعي بل تعتمد الواقع أيضًا. كما في أدب الرحلات، والرسائل، والمقامات.
فنلاحظ أن المؤلفة تعتبر أدب الرحلات سجلًا حقيقيًا لمختلف مظاهر الحياة، وله قيمتان: علمية وأدبية، والقيمة العلمية تتمثل في المعارف الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية. والقيمة الأدبية، وتتجلى في الأساليب التي يستخدمها الأديب لعرض مادته ليرتقي بها إلى مستوى الخيال الفني، وذلك فهو بتراوح بين الواقعي والخيالي، مثلما نجد ذلك في رحلة أبي حامد الغرناطي التي تنطوي «على الكثير من الخيال» (ص128) 
ومع أن الكتاب يقدم «رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي معتمدة على عالم الجن الخيالي لا يتجاهل أنها تقترن بالواقع الخارجي، عالم الإنسان» الذي هو ملازم له، وأصل دلالته». (ص21) وكذلك قصة حي بن يقظان لابن طفيل فهي تحتوي كما جاء في الكتاب على بعدين: بعد قصصي خيالي، وبعد فلسفي واقعي.
ومثل هذه الرؤية نجدها في الحديث عن الرسائل الأدبية، أو ما يسميها إحسان عباس الزرزوريات؛ ففيها مزج بين الواقع والخيال بين طائر الزرزور وشخصية الإنسان الحقيقي، كما فعل ابن سراج في رسالته إلى الوزير أبي القاسم ابن الجد(ص76).
وكذلك المقامات فهي عالم تخييلي فيه عناصر الواقع من مكان وزمان وشخصيات، وهي تشير إلى شخصيات من لحم ودم، لكنها انتقلت إلى الورق لتغدو شخصيات فنية «تصاغ بأسلوب مشوق يمزج الواقع بالخيال» (ص92).
من هنا يبدو مصطلح «النثر الخيالي» قد استخدم دون دقة وإحكام. حتى نجد أن المؤلفة نفسها لا تعتمده دائما في وصف ذلك النثر الذي عرفه الأدب لأندلسي في القرنين الخامس والسادس الهجريين. ففي حديث المؤلفة عن القصة الأدبية والفلسفية تستخدم مصطلح «النثر الفني»؛ إذ تعتبر الفن القصصي « من ضروب النثر الفني» (ص13) وفي مقدمة الحديث عن المحاولات والمناظرات تستخدم المؤلفة مصطلح «النثر الأدبي» تقول:» من فنون النثر الأدبي التي تناولها أدباء الأندلس...» (ص105). فهل النثر الخيالي هو النثر الفني أم النثر الأدبي؟
استنادًا إلى ما سبق كان يمكن أن يكون استخدام مصطلح «النثر التخييلي» بديلًا مناسبًا عن مصطلح «النثر الخيالي»؛ لأنه يشير إلى مزج الخيال بالواقع، ولا تقتصر دلالته على الخيال فقط. ويمكن القول إن استخدام المؤلفة د. دينا ملكاوي مصطلح «النثر الخيالي» محاولة جادة في اجتراح مصطلح جديد في الدراسة النقدية والأدبية ولكنها محاولة غير دقيقة أو محكمة فجاء المصطلح غير دال دلالة واضحة وشاملة لما يحتويه كتابها القيم.
إن للمصطلحات أهمية كبيرة في حمل المعاني وتركيزها، فكأنها ذاكرة حاسوبية صغيرة الحجم، ذات سعة كبيرة؛ لهذا فإن استخدامها يجب أن يتم بضبط علمي تام، ومن خلال دراسة واعية لما تحمله من دلالات ومفاهيم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش