الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في التجربة الإبداعية لأديبة الأطفال فداء الزمر

تم نشره في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

صفية البكري
يمتلئ هذا العالم بالحكايا والأحاديث، وهذا ما يجعل سحر الكلمة، وهيبة الحرف في مكانهما المناسب ذات طابع مختلف، والعاطفة الذكية هي القوى المُحركة في نفسية الكاتب المتميز، وهذا أول ما لمسته في القراءة للكاتبة فداء أحمد غازي الزمر، في مجال كتابتها للأطفال، فهي تأسر القارئ الطفل بكثافة جملها ورتابة أفكارها، وحنو عباراتها، بحيث تجعلنا متسامحين ومتصافين بإزاء بنية الحبكة القصصية الخاصة بعالم البراءة عالم الأطفال.
فداء أحمد غازي الزمر: كاتبة وأديبة أردنية من أصول فلسطينية حاصلة على شهادة البكالوريوس في علم الأحياء، وتعمل حالياً أستاذة علوم حياتية ومسؤولة البيئة في مدارس الرضوان، وهي عضو في رابطة الكتاب الأردنيين ورابطة المرأة الفلسطينية في الخارج، لها العديد من المؤلفات والكتب والمجموعات القصصية للأطفال حاصلة على العديد من الجوائز والأوسمة والدروع والتكريمات على مستوى الوطن العربي نذكر منها: جائزة الإيسيسكو العالمية عن قصة «أحلام الطفولة» (المنظمة الإسلامية العالمية للعلوم والتربية والثقافة) عام 2005، والجائزة الأولى لمسابقة وزارة البيئة الأردنية لأفضل قصة بيئية (كوكبنا الجميل). وجائزتين لقصتين في مسابقة من قصص التراث الشعبي (حكاية ماما حكاية جدتي) لأمانة عمان الكبرى لعام 2008. وجائزة الكويت الدولية لأدب الطفل في الوقف والعمل التطوعي و الخيري لعام (2015) عن قصة (الحذاء القديم). وحديثا جائزة خليل السكاكيني لأدب الطفل 2017 عن قصتها المبدعة (هكذا تحركت سناء). وجوائز عدة أيضا.
عبرت الكاتبة عن بيئة عشقها لعملها بين الأطفال في المدرسة، من خلال تقديم القصص المتنوعة في الهدف والرمزية وكذلك المسرح،  بحكايا للأطفال من نسيج لغوي ناعم، يأخذ القارئ الطفل إلى عوالم متخيلة من المكان والزمان، فيُظهر حيوية الواقع ولعبة التخييل، كل ذلك ضمن فضاء سردي مباشر وغير مباشر، يرتقي بالقص كفنٍ مأخوذ بالتشويق والإبهار، من خلال سلاسة الوصف المتدرج لقصص حماية الفكر الإبداعي وضياعه كما صاغته الكاتبة في سرد قصصها.
منتوج فكري راقٍ استقطب شريحة مهمة من القراء ألا وهم الأطفال في كم ونوع من القصص التعليمية والمشوّقة، ففي المجموعة القصصية الفائزة بجائزة خليل السكاكيني والتي تحمل عنوان «هكذا تحركت سناء»القصة الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية 2017  والتي كانت في افتتاحيتها (الحركة لا تعني المشي على الأقدام فقط، هناك الملايين الذين يمشون على أقدامهم ولكنهم لا يزالون يراوحون في أماكنهم) هذه الافتتاحية والتي جاءت كرسالة محببة للأطفال وخاصة الأطفال ذوي الإعاقات،فتكون دافع استفزازي طيب لتناول فحوى القصة التي تروي حال الفتاة سناء وكيف كانت تنظر للمشاركات الاجتماعية والتواصل بين الأصدقاء في المدرسة والأهل الى ان تغلبت عليه بالعطاء والعمل لأنهما غير مقصوران على من يمتلك قدمان تسرعان الخطى به حيث يشاء، بإمكان أي واحد منا التحرك الى عوالم مختلفة دون ان يراوح مكانه اللحظي.
سناء الفتاة الشجاعة التي ولدت بقدمين ضعيفتين استطاعت أن تتغلب على مشاعر القلق والخوف من عدم النجاح رغم نظرات وسلوكات البعض لها كنظرة المعلمة التي اعتذرت عن مشاركة سناء في حفلة نهاية السنة وذلك بسبب صعوبة تنقلها وخوفها على سلامتها. إلا أن الطفلة الصغيرة أدركت من خلال إصرارها ومثابرتها ومشاركتها بمسابقة الرسم وفوزها فيما بعد فقد أدركت أن الملايين الذين يمشون على أقدامهم ولكنهم لا يزالون يراوحون في أماكنهم، الحركة تعني التغيير نحو الأفضل، التفاعل بايجابية مع الآخرين، أن نحرك أفكارا خاطئة لنستبدل بها أفكارا صحيحة، هي تحريك مشاعر الناس النبيلة نحو عمل نبيل.
بالعلم والأخلاق والإرادة نحرك ما لا يستطيع الكثير القيام به، أبدعت الكاتبة في بناء قصص تعالج سلوكات غاية في الأهمية بمكان في عالم الطفل المبحر في خياله الفضائي إلا عند التشبث بأول نيزك ليهبط في أرض حلم الوصول إليها لينطلق لكوكبه الخاص.
فبين الاحترام للذات والآخر، وبين قول الصدق والابتعاد عن الكذب كون عواقبه وخيمة، وبين نظافة الأجسام والأماكن مُراوحة فضائل تغلب عليها نصوص فداء الزمر الإبداعية.
أكثر ما يميز الكاتبة عن غيرها في أسلوبها الإبداعي في تفاصيلها وعمقها وعنفوانها هو تمثلها لأدبها سلوكا في الكتابة، فتبرز قيمة الأخلاق التي يحتاجها أطفالنا والجيل القادم، وكما أنها تمتلك قواعد اللعبة القصصية الموجهة للطفل بنجاح لتفتح مجال اللعب بالمكان والزمان المحببيْن للطفل وتنثر ورودها حكايا مشوقة.
وفي قصة «حكايات بشورة الحشورة والعم أبو سلامة» صوّرت الكاتبة سلوك الطفلة بشورة والتي تتعلم من الأشياء المحيطة بها قبل وبعد الوقوع في المتاعب صورت الكاتبة هذه الأفعال بالسلوك الطبيعي وانه يعكس الايجابية المتفاعلة مع الحياة بكل الحب والفرح والعطاء لكل من تصادفه فجاءت الحكاية ترسم عدة مشاهد للطفلة التي كانت تتصرف بعفوية دون إدراك في مواقع كثيرة منها عدم الانتباه للسيارات أثناء قطع الشارع واستخدام الأدوات الحادة في المنزل دون استشارة الأم واللعب في الثلج طويلا وعدم الجلوس في مقعد الباص أثناء السير وعدم لمس الكهرباء وأيدينا مبتلة، وكان العم أبو سلامة من ينقذ الصغيرة بشورة بنصائحه ووجوده في الوقت المناسب، كما جست الكاتبة الجمادات من حول بشورة وجعلتها تحمل مشاعر الخوف والقلق على الأطفال عند تعرضهم للخطر. وهذا يعتبر أرقى أنواع المشاعر وألطفها لتقديمها للطفل على هيئة قصص وحكايا.
الأديبة فداء الزمر تمثل جيلاً من الكتابة في عالمنا العربي المعاصر وليس لنا أن نمر على مجمل انجازها بسرعة لأنه لن يتسع لعشرات القراءات والمقالات، لذا لا بد لنا أن نستعرض بعضا من إنتاجها وصفا وإبداعا،لعلنا نكون قد أنصفنا إبداعها في ساحتنا العربية والمحلية.
 فمن خلال إعادة القراءة لفنون أدب الطفل من قصص ومسرح للأديبة الزمر فانك تلاحظ أنها تمنح النص القصصي مذاقاً مختلفاً ومشوقا للأطفال، قادراً على الكشف والغوص في دقائق الأمور كي يثير كثيراً من التساؤلات. ويكشف تناقضات هذا الواقع عبر الذات المغتربة أو الإنسان/الفرد داخل بناء اجتماعي تتهاوى معطياته،ونجد هذا واضحا في قصة «أنين الأقصى» التي تعرض قضية مسجد الأقصى للأطفال بصورة محبّبة، والتي تجسد فيها هذا الواقع وتعيد إنتاج الموازي له خلقاً باللغة والتصوير القصصي البارع الذي يستمرىء التفاصيل، «أنين الأقصى» قصة نابضة حية تمنح اللحظة القصصية بناء محكم بارع في السرد.
وكذلك معظم أعمال الكاتبة فمن خلال القراءة العامة والشاملة لإبداع فداء الزمر لعلها نجد اللغة الخبيئة في منطق البناء والحكاية الملهمة والمهمة من تفاصيل السرد الأليم كما في في قصة «أنين الأقصى» ابتداء من جداره وتربته وانتهاء بساحة مسجد الأقصى الطاهرة، حيث تتسرب بخفة ورشاقة إلى نفوسنا وتملؤنا فرحاً شجياً حين الفرح وتبث الارتعاش اللذيذ حزناً وتعاطفاً ونحن نخوض غمار التفاصيل المفرحة الحزينة على نحو ما، نزاوج الاتجاهات كي تعبث بنا الأقدار ونذهب إلى الشجن متواطئين مع الحزن، أو نعبث نحن بالاحتمالات كي نمزق الأسئلة في انتظار الإجابات.
 نصوص ترصد الممكن والمتاح وتعيد لنفوسنا هدوءها وروعتها. مزواجة بين المحالين وائتلافاً يرصد الوقائع بعين واعية كي تتراص أمام دهشتنا عن المروي عنه، واختزال الزمن في مروره الرهيب وإحساس الفقد المقيت.
صورت لنا الكاتبة في مجمل قصصها «الحصارات « من حصارات بشرية وبيئية محيطة،من حصار الوطن المحتل وحصار التلوث العام، وكذلك الهزائم، وفقد التواصل، وهذا الواقع الغني بالحكايات ينهمر بحماس كحماس المبدعة التي تسهم في تشكيل التلقي بأبعاد مختلفة ومواقف متشابكة واعية لحجم مشكلات الواقع وتداخلاته، راصدة للأحداث أو مروراً رهيباً عليها داكناً حد الشحوب الهزيل والعميق في آن واحد.
الزمان في قصص الأديبة الزمر جاء مجردا من ملامحه يعي تماما الوقت الفائت المرصود بالأحداث الزمكانية.
فالاحترافية في كتابة النصوص التي تعالج أبرز القضايا والسلوكات التي تلاعب ذهن القارئ الطفل ما هي إلا فرصة لفتح آفاق واسعة بمخيلة قادرة على فعل الكثير.
الأديبة «فداء الزمر» تعنى بأدب الطفل عناية الأم لرضيعها، وقصدت لرضيعها لما يحتاجه الرضيع من عناية وحرص ودراية في التعامل، فنجد الكاتبة تعاملت من قصصها وأعمالها الإبداعية المقدمة للطفل بحنو ودفء يشهد لها بهما، كتبت في جميع المواضيع المهمة لتعريف الطفل بعالمه وتاريخه ودينه وتعديل سلوكات الأطفال بطريقة التوجيه لا الأوامر، كما يحب طفلنا، ولأن أديبتنا على علم أن طفل اليوم على مستوى عال من الذكاء والاطلاع من عالمه التكنولوجي فقد احترمت عقل هذا الطفل واحترمت مشاعره من خلال طرح أعمالها الأدبية الإبداعية من قصص ومسرحيات وسيناريو. قصص وسياقات بمواضيع مختلفة، فقد أخرجتنا من القصص التقليدية التي طالما ألفناها، وحفظناها عن ظهر قلب.
وعلى امتداد عطائها الإبداعي استطاعت الكاتبة فداء الزمر أن تثبت قلمها ونصوصها في الساحتين المحلية والعربية من خلال كثافة الإصدار الأدبي والمشاركات والفوز بأكثر من جائزة عربية معروفة.
الأديبة «فداء الزمر» نموذجٍ ثقافيٍّ تَمثّلَ بكاتبة أدب الطفل احتلّت مكانةً متميّزةً ومعروفة، رغمَ أنّها تُحاكي طفلةً سكنتْ في داخلِها، والطفولةُ هي عالمٌ ورديٌّ مُزخرَفٌ بألوانِ قوس قزح،تبعثُ البهجةَ والسّرورَ إلى القلبِ..
نستطيع أن نجزم أن في عالم الزمر لبناء قصة الطفل ما هو إلا رحلات مدرسية وحياتية تظهر فيها حب الوطن و زيارة أهم الآثار التاريخية والتشويق للكتابة عنه، وإثارة مُخيلة الأطفال لما سيشاهدونه.
ولا أعرف إن تعمّدت الكاتبة هنا أن تثير الطفل باستفزاز خياله من خلال التعبير عما شاهده وأذهله بتوثيق الأماكن من خلال الكتابة عنها بوصفها لزملائهم الآخرين بالمدرسة، أو بالتقاط الصور التذكارية.
كما ولجأت الكاتبة إلى تنمية الوازع الديني كسلوكٍ وتصرف، عندما نبّهت الأطفال أن رسولنا الكريم حث على النظافة فاماطة الاذى صدقة وترك مخلفاتنا وارءنا في مكان نزوره ما هو الا الاذى الاكبر
(النفسي والمادي).
فتعاون الطلبة بروح الفريق المُحب، بجمع الأوراق في أكياس بلاستيكية، ووضع اللافتات التي تحث على النظافة.
رأت الكاتبة أن تضع بين يدي أطفالنا وذويهم مجموعة قصصية تربوية تتعرض لبعض القضايا والمواقف التي تواجه أطفالنا في مرحلة الطفولة المبكرة.
وقد جاءت القصص مليئة بالحركة من خلال ما جاء فيها من أحداث. فتناولت هذه القصص بعض السلوكات الخاطئة التي يمارسها البعض من أطفالنا.في حين قدمت من خلال تسلسل الفكرة وتتبع الحدث حلولا معقولة ومقبولة من خلال توظيف الحكاية في تعزيز السلوك الصحيح.
فعملت من خلال كتابتها على إذكاء عنصر التشويق لشد القارئ الطفل أمام تعدد الشخصيات من قصة إلى أخرى وتنوع حضورها. فجاءت هذه القصص حتى تبقى قريبة من نفوس الأطفال قلوبهم وسلوكاتهم المترجمة أفعالاً على أرض الواقع. حيث أضافت الكاتبة إلى مكتبة الطفل التربوية شكلا جديدا ومناسبا من القصص والحكايات الهادفة لأطفالنا الأحباء.
إن أعمال الكاتبة «فداء الزمر» ما هي إلا أنشودة للصداقة والعطاء من أجل التعلم في حياة قد يغيب عنها بناء اللبنات الأولى في تنمية مجتمعها ألا وهي غرس الفضائل من خلال التذكير بالسلوكات التربوية والتذكير أن هناك وطنا لم يحرر بعد..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش