الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأحكام المسبقة وشيطنة الآخر

د.حسان ابوعرقوب

الخميس 28 حزيران / يونيو 2018.
عدد المقالات: 262

إن من أهم أسباب النزاع والصراع بين الناس الاعتماد على مجموعة من التصورات الخاطئة، والاستناد إلى الأحكام النمطية المسبقة عن الآخر. وهذه آفة منهجية يعاني منها فريق غير يسير من الناس عبر العالم، تكون نتيجتها مزيدا من الفرقة والقطيعة، وربما نشوء العداوة والبغضاء بينهم.
ومثال ذلك، نجد أن جزءا من وسائل الإعلام الغربية قد رسمت صورة ذهنية للإسلام في عقول متابعيها، تتلخص بالاقتران بين الإسلام والإرهاب، فصار المسلمون المتهم الأول في أي حادث إرهابي وذلك حتى تظهر براءتهم، حتى بالحوادث العادية، كحريق بانفجار أنبوب غاز، أو حادث سير، يقفز المسلمون إلى الأذهان كمتهم طبيعي، حتى تنجلي الحقيقة، ويحصل المسلمون على صك البراءة. ربما تورط بعض المسلمين بالإرهاب، ولكنهم ليسوا وحدهم في ذلك، فالإرهاب يمارس من أشخاص عدة بأديان مختلفة، ولا علاقة له بدين أو معتقد، لكن التسليط الإعلامي كان دوما موجها على المسلمين فقط، على الرغم من وقوع آلاف المسلمين كضحية للإرهاب والعنف، في أفريقيا الوسطى وبورما على سبيل المثال لا الحصر.
وليس هذا فقط، بل الصورة الذهنية التي زرعت عند بعض الغربيين عن الإسلام وقضايا المرأة غاية في الإساءة، والبعد عن الحقيقة، حتى صار الإسلام مثالا لقمع المرأة والحجر عليها، وتقييدها ومنعها، والقضاء على شخصيتها، علما أن الواقع خلاف ذلك تماما، مع التسليم بوجود بعض العقول المتحجرة عندنا كمسلمين، لكن هذه العقول سنجد مثلها عند غيرنا أيضا، ولا يمكن أن نحكم من خلال بعض التصرفات الفردية على دين يعتنقه أكثر من مليار وثلث نسمة. مع التأكيد على أن المرأة نالت حقوقها في الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، على الرغم من أنها لم تنل كثيرا من تلك الحقوق عند بعض الدول الغريبة إلا في القرون الثلاثة الأخيرة.
وليس الحال أفضل عند فريق من المسلمين، حيث نجد أن الصورة النمطية للغرب تقوم على العداء وحياكة المؤامرات، والطمع في ثرواتنا ومواردنا في عملية اجترار لحروب الفرنجة التي تم تغطيتها بزي ديني فصارت (الحروب الصليبية)، معمِّمين تلك الأحكام على كل من هو غربي، علما أن بعض هؤلاء لم يسمع بكثير من دولنا العربية أصلا، ولا يعرف عنها شيئا مع وافر الاحترام والتقدير. وهنا ينبغي أن نفرق بين أهل السياسة وعامة الناس، ربما نجد الأطماع عند فريق من السياسيين، لكن تعميم ذلك على الأفراد خطأ كبير. وربما يحتجّ البعض بأن هؤلاء العامة هم من أوصلوا أهل السياسة لمناصبهم، وهذا صحيح، لكنهم أوصلوهم ليحققوا مصالحهم كشعب، من حفظ الأمن، وتقليل البطالة، والتأمين الصحي، وتخفيض الضرائب، وليس في أذهانهم عند الاختيار أن هذا الإنسان يطمع في ثروة الآخرين.
هذه التصورات الخاطئة، والأحكام المسبقة عن الآخر منهج غير صحيح، ونحن نمارسه بشكل يومي وطريف في بعض الأحيان، فمثلا، إذا رأى المتديّن من يلبس لباس أهل العلم ويشبههم، أحبه وتقرب منه وخالطه، بينما نجد أن غير المتدين يبتعد عن ذلك الشخص الذي تقرب منه الأول، فما السبب؟ إنها الأحكام المسبقة والتصورات الخاطئة، فلبس الإنسان لزي أهل العلم لا يعني أنه صار منهم، ولا أن أخلاقه تشبه أخلاقهم، وبالتالي فإن التقرب منه لا يعني عملا صوابا بالضرورة. وكذلك إذا خاض الإنسان تجربة مريرة مع أحد الذين يرتدون أثواب العلماء، لا يعني أن الباقي مثله، بل ربما كان السيء حالة شاذة فقط.
فما الحل إذن؟ الحل أن يتبع الإنسان المنهج العلمي، الذي يتلخص بالتجربة والحوار، والتعرف على الآخر من خلال التجربة الشخصية، وهذا يحتاج إلى تواضع يزيل حاجز الكبر الذي يحجبه عن الآخرين. كما يحتاج إلى صبر؛ لأن عند الآخر من الحواجز ما عند كل واحد منا، وليس من اليسير إزالة الحواجز لكنه ممكن بالمثابرة والصدق والإخلاص. فبدل أن نهرب ممن نختلف معهم، فتبقى السدود بيننا وتزيد يوما بعد يوم، علينا أن نجلس معهم، ونحاورهم لنتعرف عليهم، ونتعاون لبناء الإنسان والأوطان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش