الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كرة وكرامة

رمزي الغزوي

الأحد 24 حزيران / يونيو 2018.
عدد المقالات: 1977


لم نسمع انفجارات براميل البارود الملقاة على درعا وأخواتها في الجنوب السوري. فالآن الآن في هذه الأيام الحمراء، لا صوت يعلو فوق هدير الملاعب وصخبها، ولا شيء يكسر هتاف جماهير مونديال روسيا الطاحن. فالعالم يدخل كل أربعة أعوام في غيبوبة تسمى كأس العالم. فيخدرنا المستطيل الأخضر، لنغدو كرات طرية تتقاذفها أقدام السياسة، وأرقام التجارة، وتتركها في مهب الأوهام ومدارج الأحلام.
ولأن لا زوايا في الكرة. فكذلك لا كبير فيها، أو عليها، أو لها. الكرة كالأرض كوكب متاح لبطولات جميع سكانها. فالكبار قد يتمرغون وحل المفاجآت، فينسحقون بضربة من اعتقدنا أنهم صغار. ومن كان مرمياً من نظر العين، وخارجا من دائرة توقع المنافسة، رأيناه يكسر العمالقة، ويبزهم، ويهزمهم. لا كبير في كرة القدم، حتى (الجمل أبو سنامين).
لم أدخل في مناحة اللطم وجلد الذات وتقزيم المقدرات. لم أدخل في هذه المعمعية السوداء، أو البكائية السقيمة حينما انهزمت الفرق العربية المشاركة في كأس العالم؛ لأني آخذ الأمر بحجمه الطبيعي الحقيقي. فالمسألة ليست كرامة، كما يتصورها البعض، الكرة ليست كرامة، ولا مسألة وطن مغلوب مسلوب. هذه كرة يا جماعة الخير. فدول كبرى لم تتأهل ولم نرها تندب وتلطم. هي كرة ورياضة. ولو أن كرة القدم مسألة كرامة، لما تركتها الشعوب تدار بالأقدام.
والرياضة بمجملها ليست غاية بشرية، أو هدفاً نسعى إليه. هي أداة لتطوير الإنسان وتهذيب غرائزة وانفعالاته وضبط انفلاته. ولهذا فما من داع أن نحمل القضية أكبر مما تحتمل. هي لعبة وخسرنا فيها. وسنفوز لاحقا. المهم أن نستمد من الرياضة نسغها وترياقها الفعال.  وهي ألا ينكسر في داحلنا الإنسان.
كان في الأنحاء قسوة كبيرة على حالنا. فالبعض يقترح على (الفيفا) أن تقلص زمن مباريات الفرق العربية إلى ثمانين دقيقة، فالخسارة لا تتحقق لهذه الفرق إلا في النهايات، وتحديدا عند الدقيقة التسعين.
ولأن الرياضة مرآة. فأنا أقترح أن نعيد تربية أنفسنا وأجيالنا على احترام كل دقيقة في الحياة، وأن ننظر إلى الدقيقة الأخيرة من العمل، مثلما ننظر إلى الدقيقة الأولى، البدايات كالنهايات. علينا أن نعول على كل لحظاتها. علينا أن نعلم أولادنا أن لا يكونوا على عجل من أمرهم، عندما تلوح اللحظات الأخيرة، فيتواكلوا على غيبيات يعتقدون أنها تنجيهم. علينا أن نعلم انفسنا وأبناءنا أن نحيا الحياة كل الحياة بحذافيرها، وألا (نشلفق) النهايات؛ فنلفق الحياة.  
الرياضة ليست صراعا دينيا أو عرقيا يستوجب قراءة الأدعية وفاتحة الكتاب عند كل ركل كرة. علينا أن نأخذ الرياضة بمقياسها الحقيقي. وإلا سنبقى نلملم كرات العالم. أو نغدوا نحن تلك الكرات.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش