الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لـو كـان الفـقـر رجـلا..

تم نشره في السبت 9 حزيران / يونيو 2018. 04:25 مـساءً

نهلة الجمزاوي
يحاصر الفراغ جيوبه المثقبة ليجعله يتذكر حكمةً طالما رددها جدّه على مسامعه بمناسبات عِدَّة: «المُفْلسُ يمرّ من السّوق مسرعاً».
يسير مطرقاً ممنّياً نفسه ببعض ما تلتقطه عيناه وحواسه من احتياجات ليست بثانوية، فعصارة المعدة الكاوية لا تستمزجه حين يمرّ برائحة الشواء المنبعثة من حَيِّه، إذ يمضي مجبراً من الشارع ذاته كلّ يوم متأبطاً أوراقه التي ملأها حبراً براقاً، تلك الأوراق لا تنال إعجاب زوجته بهيجة بتاتاً، بل إنّها لا تتوقف عن تقريعه كلّما عاد إليها مطوِّحَ الذراعين، فارغ الكفين.
يتوقف فجأة وكأنّه وجد شيئاً: الفقر، لو كان رجلاً لقتلته، ما أروعك يا سيدي لو أنك فعلت! لماذا تركته يقارع تفاصيل النفس وينتشر بين الناس مروعاً؟
في تلك الليلة العصيبة التي رفضت فيها بهيجة ذكورته واتخذت لنفسها مكاناً قصيّاً، قرّر عبد القوي أن يقتل الفقر، وما إن تثاءب الصبح كاشفاً بعض ما أخفاه الظلام، حتى خرج شاهراً غضبه ثائراً لرجولته.
تلفت حوله مفتشاً عن الفقر، أقسم وتوعد أن يخلِّص الكون منه.
سار في أزقة المدينة متحفزاً، ظلّ يطالع بيوتها ودكاكينها التي اتشح معظمها بالغبار فبدت باهتة وكأنّها خارجة من ركام معارك طاحنة متتالية على مدّ عصور وعصور، دون أدنى قسط من الاستراحة أو المهادنة.
المدينة يلفّها الجمود والإحباط، وهو لا زال يقلب بصره بين الوجوه العابسة، ذات العيون التي غمرتها سحابات الحزن المتماهية تماماً مع المكان.
على ناصية الطريق، وجد مسناً يفترش الرصيف ليجمع ما يجود به المارّون من فتات الرحمة، حدّث نفسه متوعداً: هذا هو الفقر.
اتجه نحوه مقرراً قتله، وقبل أن يستلّ خنجره المتأرجح عند خاصرته، حانت منه التفاتة، ليجد على يمينه، امرأة عرجاء بقربها طفل أعمى يستجديان المارة.
توقف مصمماً: بل هذا هو الفقر.
تقدم خطوة ويده تشدّ على خاصرته. نظر يساراً، وإذا بطابور من العجائز والشباب والنساء يحملون «الجالونات» والأباريق، وينتظرون دورهم لشراء بعض الكاز. هَمَّ متحفزاً صارخاً في أعماقه: هؤلاء هم الفقر.
باغته شاب أبكم يحمل شهادة توثّق لبؤس حاله وينظر إليه بعين المسكنة، زمجر عبد القوي في نفسه قائلاً: وجدتك أيها الفقر، حملق في وجه الفتى بغضب، ارتعشت يده، أمسك بمقبض خنجره بتصميم، أوقفه الصوت الأنثوي المنبعث من مظلّة انتظار الحافلات، إنّها نزيهة، ما انفكت تخفي جدائلها كلما انسابت من تحت شالها الأسود وهي تضبط  ضمم ا»لخبيزة» وتنادي: الأربعة بدينار، أخذته الدهشة والحيرة، توقف منقلاً بصره في أروقة الشارع الضيق، احتار في أمره، أيّ منهم الفقر ليقتله، فهو لا يعرف الطريق إلى الموائد الكبرى التي يُعَدّ عليها الفقر ليوزع على الخلائق كوجبات جاهزة، بل سار مفتشاً عن أشكاله التي حفرت أخاديدها في وجوه المارّة، تفقد شاربيه المتدليَين، فلا رجعة إلى أحضان بهيجة إلا بعد أن يقتل الفقر ويخلّص العالم من شرّه. جمع زمام همته وعزمه وراح يقلّب بصره بين الوجوه العابسة... على ناصية الشارع رأى صبية تعرض شعرها للبيع على سائقي الحافلات، احمرت عيناه، تصاعد الدم في رأسه، شعر بقبيلة من الرجال تركض في دمه، شتم الشيطان، وانطلق نحوها مقرراً قتل الفقر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش