الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ليس المدهش أنّ كلّ أردني يعرف الملكَ الراحل المدهش أنّ كلّ أردني يشعر أن الملك الراحل يعرفه

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2018. 11:13 صباحاً
سيرة روائية 15 - محمد داودية

عملت تاجرًا وفشلت فشلاً ذريعًا
تحولت من مقاول يعمل في الرمل والاسمنت والغبار والشمس، الى تاجر يعمل في الظل يجلس على مقعد وثير تحت مروحة لا تتوقف وامامي ابريق الشاي بالنعناع.
فقد دلّني عضو قيادة حزب التحرير الإسلامي الصديق هاني محمود عبد القادر سُكّر العقايلة على تاجر تصفية كبير في شارع بسمان بعمان، اتفقت معه على ان اخذ من عنده 200 بدلة المانية فاخرة جديدة، برسم البيع، اعرضها على «ستاندات» في المفرق واحاسبه على ما ابيعه منها أولا بأول.
استأجرت جزءا من مخيطة الخياط الطيب سعيد في شارع جانبي في المفرق. كان الاتفاق ان ادفع فاتورة استهلاك الكهرباء البالغة خمسة دنانير وان ادفع له خمسة دنانير أخرى من اجرة المخيطة الشهرية على ان يتولى هو تقييف البدلات التي ابيعها لتصبح في مقاس من يشتريها.
طبعت أوراق دعاية ملونة كتبت فيها المواصفات والسعر والعنوان واعطيتها الى عدد من الصبية وزعوها على تجار المدينة.
كانت البداية متوازنة، فقد بعت في الشهر الأول عشر بدلات بسعر سبعة دنانير ونصف الدينار للواحدة التي كانت كلفتها خمسة دنانير ونصف الدينار. اتصلت مع عمي جعفر وأهديته بدلة واتصلت مع خالي إبراهيم واهديته بدلة. وجاءني معلمي الذي درّسني اللغة الإنجليزية فبعته بدلتين بسعر الكلفة.
قلت لنفسي: عيب عليك يا محمد. كيف تربح من استاذك ؟.
وبعت عددا من البدلات لعدد من الاصدقاء بسعر الكلفة وبالتقسيط أيضا. كان الأصدقاء يتجمعون في متجري يوميا، فلا يخلو يوم من وجبة دسمة لتجمع الأصدقاء واصدقائهم. كانت للتجمع صفة التجمع الشبابي السياسي الثقافي مما قادنا الى الحديث في تأسيس نادٍ او جمعية ثقافية.
قال لي الخياط الذي اصبح يحب جلستنا عنده وُيسرّ لي بملاحظاته المتنوعة عن الشلّة: هذا مصلحجي وهذا فشّار وذاك صادق وذاك يريد الخير لك وذاك يحسدك ويغار منك.
ذات يوم باح لي بما قال انه تردد كثيرا في البوح به: يا محمد انت لا تصلح تاجراً.
ثم ضحك وقال: انت افشل تاجر مرّ وسيمر عليّ.
واستطرد: اترك التجارة فهي ليست لك. انت تبيع باقل من الكلفة وتهدي من مال غيرك وتبيع بالتقسيط وتنفق مما تبيع وهو ليس مالك. ستتأبط ديونا ثقيلة. هذه مخيطة ومحل رزق وانت جعلتها مطعما مجانيا تنفق من جيبك اكثر من دخلك منها.
عندما جمعت وطرحت ما بعت وما كسبت وما خسرت وجدت نفسي مدينا بخمسة اضعاف راتبي فاستنجدت بصديقي هاني الذي اقنع تاجر التصفية بقبول تقسيط المبلغ الذي «انكسرت» به.
اتجهت الى لون تجارة اخر. اخذنا قرضا من الإقراض الزراعي سمير الحباشنة وانا واشترينا مزرعة دواجن في الجهة الشمالية الغربية من المفرق بالقرب من مستشفى الامراض الصدرية. أشرفت على بنائها وتجهيزها بالمعدات اللازمة لتربية الدجاج: مشارب ومعالف وفوانيس اضاءة ومدافيء وادوية وعلاجات للوقاية من الرشح والبرد.
اشترينا الصيصان والأعلاف وعملت مع صلاح الحباشنة في المزرعة التي أصبحت من مقرات الحزب.
نجحت تربية الدواجن نجاحا ممتازا
لكننا واجهنا مشكلة رئيسية كبرى. كانت كلفة انتاج الكيلوغرام الواحد من الدجاج تساوي خمسة وثلاثين قرشا وعند البيع كان السعر خمسة وثلاثين او أربعين قرشا لكيلوغرام الدواجن الواحد.
تهافت المئات من المواطنين دفعة واحدة على مهنة انشاء مزارع الدواجن فحدثت اختناقات تسويقية حطمت اسعار البيع والحقت خسائر كبيرة بهذا القطاع الحيوي فإستهلاك عامة الشعب هو من لحم الدجاج لا من لحم الضأن.
فشلت أيضا تجارتي في الدواجن فاستشرت تاجرا دهريا خبّرته عن بلواي.
قال عبده الصباغ التاجر الخبير: هل تريد ان يربح متجرك؟
قلت: طبعا طبعا. دخيلك. ماذا افعل؟
قال: اغلق متجرك فيتوقف نزيف الخسارة وتربح ما كنت تخسره.
فقررت ان اتوقف عن التجارة نهائيا.
وزير للمرة الثانية
اتصل بي دولة فيصل الفايز وابلغني: سيدنا كلفني بتشكيل الحكومة وانا اريدك معي ذراعي اليمين. ارجو ان تعود بأسرع وقت. ويمكنك بعد انهاء مراسيم التشكيل الوزاري، ان ترجع الى الرباط للتوديع.
قلت: مبروك وبالتوفيق دولة الرئيس. اشكرك على التفكير فيّ واختياري. سأوافيك بأسرع ما أتمكن.
عدت اذن من مملكة المغرب الخلابة، بعد خدمة امتدت خمس سنوات وثلاثة شهور، هي اجمل فترات حياتي وحياة ابنائي كما يعلنون. انا اعتقد ان الله لم يخلق اجمل من المغرب. كنت على علاقة ممتازة بالجالية التي طبقت معها بأمانة قاعدة: «السفارة في خدمة الجالية وليس العكس» وكانت علاقاتي كسفير وكمثقف مع الشخصيات المغربية في تمام النجاح والمعافاة.
باشرت العمل وزيرا للتنمية السياسية والشؤون البرلمانية في 2003.10.24 اشتغلت على طريقتي في الحياة: جدية كاملة واندفاع وعزم وعمل جماعي. فكتاب التكليف الملكي يصف الحكومة بانها حكومة التنمية السياسية!
ساندني الرئيس وساندني وزراء ونواب واعيان وأحزاب واصلاحيون كان من ابرزهم ممدوح العبادي ومروان المعشر ورياض أبو كركي وفارس النابلسي وحازم الناصر ومازن الساكت وعبلة أبو علبة وفهد الخيطان وجميل النمري وخلدون الناصر وناهض حتر وفيصل الشبول وطاهر العدوان وعدد كبير من الشخصيات السياسية والحزبية والإعلامية.
اصطحبت امين عام الوزارة الدينامو بشير الرواشدة لمقابلة شخصية مدنية مهمة ونحن نحمل ورقا واقلاما لنسجل ملاحظات تعيننا في عملنا، فاذا بالرجل غير موافق على مشروع التنمية السياسية بدعوى ان نفاذ هذا المشروع «سيسلم البلد للفلسطينية وللاخوان المسلمين»! غادرته مصدوما! قلت للامين العام حرفيا: «اطلق الرجل النار على التنمية السياسية»!
 كيف يجوز ان «النظام» يعمل ضد نفسه؟ كانت الحركة تشبه حركة رجلين يجدفان في مركب واحد في اتجاهين متعاكسين! ذهلت من حجم الصراع و»التخريب الرسمي» ومن نذالة صغار الكتاب الذين كانت تفوح منهم نتانة القبض والمقالات المكتوبة لهم و»التوجيهات» الهاتفية.
كشفت لي الاحداث ان «السيستم» الأردني مخردق ومصاب باعطاب، وان لا محرمات في صراع الضواري الناشب بين «الكبار» المتكالبين على الكراسي.
فبعد أسبوعين من حلف اليمين امام الملك عبد الله الثاني، تلقيت الصدمة الثانية، بعد صدمة «اطلاق النارعلى التنمية السياسية». اكتشفت شغلا رسميا ضد الحكومة وعلى المكشوف.
اطلعت الرئيس على ما علمت فقال بغضب: إن اخطر ما يزعزع الدول هو ان تتلاطم رؤوس قياداته وتتصارع دون أي اعتبار للخطر الذي يصيب أعمدة الدولة.
في الأشهر المقبلة سأصبح هدفا مباشرا. فالكتبة الصغار شرعوا في العواء عليّ. كتب احدهم إنني اشرب الويسكي في رمضان! وكتب أخر إنني شتمت الصحافة وإنني قلت في ندوة إنني سادعس عليها. وادّعى ثالث إنني إقليمي. ورابع ادعى إن جسمي كله مغطى بالتاتو وأشكال مختلفة من الوشم!
كان الشغل ضاريا ومكشوفا ضد حكومة جلالة الملك بسبب أن الرئيس الفايز الحريص على الولاية العامة، لم يستشر في تشكيل الحكومة! وقد زارني ممدوح العبادي وكان نائبا وطلب مني أن اخذ حذري وزارتني نانسي باكير وكانت تعمل مستشارة في الرئاسة وحذرتني من ترتيبات ضدي.
خرجت بالتعديل فانصفني الفايز
 اتصل بي دولة فيصل الفايز قائلا: تفضل اشرب قهوة، أنا في الرئاسة.
لاقاني الرئيس على باب مكتبه! أدركت حينها أنني أصبحت ضيفا ولم اعد وزيرا. فالرئيس لا يستقبل وزراءه على الباب. الرئيس يستقبل الزوار فقط على باب مكتبه.
سألته على الفور: هل عكّر المياه احدهم بيننا ؟
رد: أبدا ابدا. أنت كنت نعم الأخ ونعم الوزير.
سألت: هل بالإمكان أن اعرف سبب التعديل؟
قال: عندما اترك هذا الكرسي سأخبرك.
قلت: إن شاء الله تبقى على الكرسي ولا تخبرني.
قال: أول قرار سيصدر عن حكومتي سيكون تعيينك سفيرا.
صدق الرجل و برّ بوعده. إذ كان أول قرار لحكومته بعد التعديل هو تعييني سفيرا في اليونان. ولاحقا صرح لصحيفة الدستور قائلا: محمد داودية من أكفأ الوزراء وأنا اعتبره أخي العزيز.
تم إجراء تعديل وزاري كنت مستهدفا فيه. أخرجت بالتعديل بحجة أنني إقليمي! احد كبار الإقليميين ألّب لإخرج احد ابرز حراس الوحدة الوطنية بحجة الإقليمية.
وتحت قبة البرلمان هنأ النائب ممدوح العبادي صديقه كمال ناصر الذي عين وزيرا للتنمية السياسية خلفا لي فقال: أرجو أن لا يحصل معك ما حصل مع وزير التنمية السياسية الأسبق الذي أبعده رئيس احد الأجهزة الأمنية مسافة 10 ساعات طيران عن عمان (ويقصد اندونيسيا التي عينت سفيرا فيها).
سأله دولة النائب عبد الرؤوف الروابدة: كم ساعة طيران تبعد اندونيسيا عن عمان، اخي ممدوح؟!
ولاحقا كتبت مقالة قلت فيها: بئست تلك المرحلة التي تولانا فيها غرائزيون. أصبحت الدولة العميقة في عهدهم، دولة ضحلة إلى أن أطاحهم الملك. لقد خسرنا الكثير من كفاءات الوطن الأمنية والشرطية والإعلامية والمدنية الذين اطاحتهم وشايات كاذبة.
في معظم المحطات، فان معظم الوزراء لا يتدخلون ولا يخرجون من اطار وزارتهم ومن اسار الكرسي، يحسبون كلفة ابداء الرأي مهما كان ضحلا، قبل حساب كلفة الصمت والسلبية على الوطن.
فقد طلب احد الوزراء من مجلسنا رفع سعر اعلاف الأغنام والدواجن على مربيها معللا ذلك بان سعر طن الشعير قد ارتفع من سوريا بسبب الجفاف الذي أصاب المنطقة، كان الموسم المطري لعامي 2003/2004 سيئا جدا.
قلت: يا اخوان الحكومات لا تسعف مربي الأغنام والدواجن ولا تدعمهم عندما يكون الموسم الزراعي طيباً أي «غلال»، بل يصبح الدعم واجبا واكثر الحاحا عندما يكون الموسم الزراعي «محل».
وقال الرئيس: بعض المسؤولين -ولا اقصد أحدا هنا- يفكرون رقميا، لا إنسانيا. ويزيدون معاناة المواطن ويتكالبون ضده مع قسوة الحياة والطبيعة دون تفكير بالنتائج التي ستنجم عن الضغط والمزيد من الضغط.
كان رئيس الحكومة يتفرس في الوجوه المحايدة في اغلبها الا من وجه غاضب كوجه رياض أبو كركي وزير التنمية الاجتماعية او وجه مكفهر كوجه حازم الناصر وزير المياه.
وللامانة فان النقاش في مجلس الوزراء المصغر الذي كنت أرأسه أحيانا كان ينحصر في عدد محدود من ابرزهم حازم الناصر وباسم عوض الله ورياض أبو كركي، ومن عجائب الصدف انني كنت امازح زملائي الوزراء بالقول:
- من يتسبب في الازعاج سأخرجه بالتعديل!!
وقد ظلوا وخرجت انا
عمل منهجي ضارٍ ضد حكومة الفايز
ناقش مجلس الوزراء مشروع خطة التنمية السياسية لعام 2004 التي قدمتها فاقرها بعد جلسة ماراثونية، وللأمانة فان تلك الخطة لم تكلف الحكومة فلسا واحدا، رغم ان شخصا مهما قال لي لو انك تذهب الى مكتب الدراسات والاستشارات وهو سيرتب لك الخطة بالشكل الذي يلفت انتباه الجميع ويحقق رضاهم. اما عن الكلفة -التي تتجاوز 70000 دينار- فقال «ما تهكل هَم، الديوان سيدفع».
فور إقرار خطة التنمية السياسية، ناقش مجلس الوزراء توقيف نائبين من نواب الاخوان المسلمين ليمضيا العطلة الأسبوعية في السجن ويفرج عنهما بعد فركة الاذن. وكانت الحجة هي حرق العلم في مسيرة بالوحدات فقلت: اتقوا الله. دم خطة التنمية السياسية ما يزال ساخنا وبالكاد طوينا أوراقها وإن حبس النواب يستفز مجلس النواب والشارع.
واضفت: نحن كلنا نعرف من حرق العلم بهدف تلبيس وزر حرقه للاخوان المسلمين. ورغم ذلك صوت مجلس الوزراء على حبس النائبين.
اتصلت بالنائبين مفلح الرحيمي وعبد الله الجازي واطلعتهما على قرار حبس النائبين وفي صبيحة اليوم التالي قابلا الرئيس وطلبا الغاء قرار الحبس لان في ذلك إهانة لاعضاء مجلس النواب الذين سيتضامنون مع زملائهم بغض النظر عن الانتماءات السياسية وكان الفايز شخصيا ضد الحبس!
تم الغاء القرار
كان العمل على اعلى وتائره لتهشيم الحكومة التي قام رئيسها باتصالات غير مسبوقة مع النواب والقوى السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمحافظات والمخيمات.
كانت اول طعنة للحكومة هي تشكيلة مجلس الاعيان التي جاءت في منتهى الهزال وضعف التمثيل السياسي والمناطقي. كان رأيي ان يدخل الى مجلس الاعيان عدد من الإسلاميين والقوميين واليساريين والنساء.
أعلنت أسماء أعضاء مجلس الاعيان فاستقبلها الشارع بنقد شديد. وفي اجتماع مجلس الوزراء قلت: يا اخوان ان تشكيلة مجلس الاعيان غير عادلة، واضفت: والله لو ان الأردنيين من اصل فلسطيني جالية ارمنية في البلد لتم تعيين اكثر من 6 أعضاء منهم في مجلس الاعيان. والمضحك المخجل انني خرجت من الحكومة، بسبب ملفق هو: « داودية إقليمي».
تمت محاولات محمومة من داخل الحكومة ومن خارجها لإقناع فيصل الفايز بضرب النقابات المهنية، بحجة انها تمارس العمل السياسي وانها ضد السلام الى اخر المعزوفة البالية، وكان الهدف هو فتح ورشة ازعاج ومشاغلة للحكومة والقطع من شعبيتها التي كانت عالية جدا ولا تخفى على العين.
قلت للرئيس: ان خير ما فعلته هو انك لم تستجب لمحاولات توريطك مع النقابات المهنية، فعلاوة على هزال سبب ضرب النقابات، فان الضربة لن تنجح، وستخرج الحكومة منها بسواد الوجه، علاوة على انني اعتقد ان سيدنا لن يمرر هذا الامر.

المهم انه رغم الأذى والتشويه لم يخرج أبناء الأردن الذين استهدفوا وظلموا وشوهوا، حاقدين على وطنهم وعلى عرشهم. أولئك الذين مسهم ضر رغم ان بعضهم عانى من اجل الخبز وسولار التدفئة واقساط المدارس.
لقد «كلا الذيب» المارقين العابرين. واستمرت القافلة.
الانصاف من ملك الإنصاف
في السادس من نيسان 1998 كتبت رسالة تظلم الى الملك الحسين طيّب الله ثراه. كتبت فيها بالحرف الواحد :
(( لقد أحاطت بي يا سيدي، المزدان بالمهابة والجلال، التباساتٌ وسوء فهم، امل ان تكرمني بجلائها، لا بقصد الحصول على مغنم، فإن اطيب مغنمٍ حصلت عليه هو لقب «النشمي» الذي اغدقته عليّ وسيظل هاجسي وجهدي وطاقتي منصبة على ان ارتقي الى مستواه وان لا اخذل توقعك بي.
لقد غمر الحزن قلبي وانا أرى ان بالإمكان التفكير في تصنيفي في خانة الذين يمكن ان تشوب صورتهم شائبة تمس الأساسيات والمطلقات التي تضرب جذورها في وجداني وروحي والمتمثلة في ان ولائي للملك وللعرش لا يدانى.
لقد ظُلمتُ يا جلالة الملك، لا من حيث استبعادي من رئاسة مجلس إدارة الرأي، الذي ندبتني اليه. ان ردة فعلي تجاه ذلك هي ان الظروف التي تستدعي تغييرا قد تتغير وبئس نحن ان أصبحت مقاييسنا غنما او غرما.
اعتذر عن ازعاج سيدنا، فما كان في وسعي ان اتحمل للحظة ان يكون اسمي من الأسماء التي يلحق بها الغبار وانا من يكرس روحي لقناعتي المطلقة بأن العرش هو عرضنا وهو امننا وهو مستقبلنا ومستقبل أبنائنا )).
سلّمت على الملك سلام العيد التقليدي. وتحرجت ان اسلّمه الرسالة امام جموع المهنئين، خشية ان يعتقدوا ان رسالتي طلب معونة، فسلّمتها الى حسين هزاع المجالي مرافق الملك العسكري.
اتصلت بي التشريفات الملكية بعد ثلاثة أيام هاتفيا: معالي محمد داودية، سيدنا سيكلمك بعد قليل.
حضّرت ورقة وقلماً وانتظرت. رن الهاتف بعد ساعة خلتها دهرا. جاءني الصوت الرخيم الودود العميق: محمد. انت من عظام الرقبة. انت عندي مثل عبد الله وفيصل. انت يا محمد النشمي الغالي على قلبي وموضع ثقتي المطلقة. انا سأسافر عدة أيام وبعد عودتي سأتعبك معي. يريد أن يعينني سفيرا او في منصب سامٍ فلا يمنّ على بل يشعرنني انه يطلب مني دعما وخدمة. هذه هي خصال الملك الهاشمي ومناقبه.
كانت اكبر ردات فعل الملك الحسين، الذي خدمت معه مديرا لإِعلامه من آب 1992 الى أيلول 1993 هي قوله: «الله يصلحه». يقولها حتى عن الذين فحّشوا في الشتم والسب والوضاعة.
وحين انتقل الى رحاب الرحمن في السابع من شباط 1999 وكنت سفيرا في المغرب غطّت الصحافية البارزة كريستيان امنابور مراسم تشييع الملك العظيم لمحطة «سي إن إن» وهي تقول: ليس المدهش ان تسمع المحللين الذين يقولون ان كل اردني يعرف الملك الراحل، المدهش ان كل اردني يشعر ان الملك الراحل يعرفه. وكريستيان كما هو معروف هي صحفية ومضيفة تلفزيونية بريطانية من أصل إيراني. وكانت رئيسة المراسلين الدوليين ومقدمة برنامج المقابلات الليلي في ال سي إن إن.
لقد كان الحسين والد الجميع.
قلت للملك الذي يجري حبّه في دمي: يرعاك الله جلالة الملك. انا وصلني حقي وزيادة كثير. مكالمة جلالة سيدنا هي اكبر مما استحق. والله ان نفسي راضية كل الرضى.
بعد أيام إتصل بي دولة الدكتور فايز الطراونة رئيس الديوان الملكي: محمد. تعال بيننا كلام.
استقبلني بود كبير في مكتبه بالديوان وقال: جاء سيدنا الى هنا وكلّفني ان اناديك وان ابلّغك ان تختار أي موقع تريده في الداخل او في الخارج. واضاف: انا اقترحت ان تذهب سفيرا. لدينا شاغران الآن، في المغرب والبحرين.
قلت: ونعم الاقتراح، انه اقتراح مودة.
مساءً اتصل بي الدكتور جواد العناني نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية: محمد. تعال ان تمكنت الآن الى مكتبي.
قلت: انا في الطريق اليك.
استقبلني العناني بمودة كبيرة: اسمع مني يا محمد. ليس لأحد يدٌ في تعيينك سفيرا الا سيدنا. اختار لك المغرب التي ستعشقها.

 الحلقة 16 تتبع الاربعاء المقبل

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش