الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شجاعة الاعتذار

تم نشره في الأحد 13 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
د. دلال عنبتاوي

نقابل الكثيرين في حياتنا .. بعضهم يتركون بل يطبعون على صفحات حياتنا بصمة لا تزول، ولا تذهب... وآخرون نلتقي بهم ثم يرحلون فلا نأسف عليهم ولا على زمنهم ولا نستذكر حضورهم إلا بمزيد من الآسى والنسيان ... ويحدث أن تضعنا الحياة أمام عثرات مع الأحبة نقف عندها حائرين ماذا نفعل .. هل نقف عند لحظة الألم تلك وينتهي كل شيء.. هل ننسحب وننساهم رغم إدراكنا المسبق أننا لن نستطيع أن نمارس الحياة بفاعلية دونهم ... وعندها نصبح أمام خيار لا مفر منه لنعبر عن رغبتنا بإسقاط الصفحة من حياتنا ووضع نقطة آخر السطر والبدء من جديد؛ لأننا أدركنا حجم الخطأ أو حجم الألم الذي تسببنا به لهم في لحظة لا عقل لها ... نهرع عندها للاعتذار ليعبر عن حضورهم الآسر في حياتنا.
 إن الله خلق الإنسان وأمده بالعقل ليميز بين الصحيح والخطأ في أمور حياته وبين المواقف وتصرفات الآخرين من حوله؛ ولأننا بشر ولسنا ملائكة فلابد أن نخطئ... ولابد أن يكون مقابل الخطأ الاعتذار الذي يعد نوعا من الاعتراف بالخطأ .. وقد قيل الاعتراف بالخطأ فضيلة، وليس من ضرر القيام به، فالاعتذار فعل نبيل وكريم يعطي الأمل بتجديد العلاقة وتعزيزها وهو التزام منا بالبحث عن طرق نحسن بها العلاقة مع الآخرين من جهة ونعمل على تطوير ذواتنا من جهة أخرى ... وكلنا يعرف أن الاعتذار يحمل في طياته شعورا بالندم أو الذنب على فعل أو قول تسبب لمن كانوا أحبة يوما بألم ما أو إساءة ولذلك نعتذر...
في الحقيقة إن الاعتذار ثقافة راقية لا يجيدها الكثيرون بسبب سلبيات تجتاح دواخلهم فيحجموا أو يترفعوا عنه رغم أنه تقويم لسلوك سلبي صدر منا، يجعل شجاعة الفرد في قمتها أمام نفسه وأمام الآخرين المعتذر منهم ولهم، ولذا يعد الاعتذار من الصفات السامية في عالم البشرية ولكي يرتقي الإنسان ويتميز بنبله عليه أن يعتذر لمن أخطأ بحقه وإن كان أصغر منه عمرا أو أقل منه مكانة، ويستوجب الاعتذار الصادق القوة في الاعتراف بالخطأ ثم الشعور بالندم الحقيقي على تسبب الأذى للآخر والاستعداد لتحمل المسؤولية عن الفعل الذي أزعجه.
إن فلسفة الحياة تقوم على النسيان .. وإلا.. غدونا لا نستطع الاستمرار في الحياة لو بقينا في مربع الندم ولم نغادره؛ إن نسيان الإساءة والعفو عند المقدرة هو أقرب ما يكون إلى منطقة الغفران في الديانات السماوية .. لنعترف أن الاعتذار ثقافة تحتاج إلى شجاعة خاصة وأفق مستنير وقدرة على المواجهة وفيه شفافية تسمو على النفس وترتفع عن الذات وتؤمن بأن الحياة أخذ وعطاء، وانتصار وانكسار، ونجاح وفشل.
 يجب أن ندرك أن من يملك « شجاعة الاعتذار» هو الأقوى وهو الأكبر وهو الأكثر احتراما، فلو جعلنا خلق الاعتذار فلسفة ندرسها وتربية نتعلمها ونعلمها منذ الصغر لحققنا مكاسب كبيرة في حياتنا، لأن مهمة الاعتذار لا يتقنها إلا أصحاب النفوس النقية ولذلك قالوا : الاعتذار هو العطر الجميل الذي يحول أكثر اللحظات حماقة إلى هدية جميلة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش