الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لكــم فيهــا فـــــواكــــه كثيـــرة

تم نشره في الجمعة 4 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً


الدكتور منصور أبوشريعة العبادي

لقد كان يكفي الإنسان نوعا واحدا من الطعام لكي يعيش كما هو الحال مع بقية الحيوانات ولكن الله عز وجل كرمه بأن وفر له آلاف الأنواع من الطعام التي يأكلها لا ليسد بها جوعه بل ليتلذذ بمذاقاتها التي لا حصر لها. فقد سخر الله عز وجل للإنسان عشرات الأنواع من الحبوب والبقوليات وعشرات الأنواع من الخضروات وعشرات الأنواع من الفواكه وفي كل نوع من هذه الأنواع عشرات الأصناف التي تتفاوت في مذاقها مصداقا لقوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)) الإسراء. ولقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الفواكه التي وفرها الله عز وجل للبشر على هذه الأرض وأكد على أنها من أفضل طعام أهل الجنة فقال عز من قائل (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)) المؤمنون والقائل سبحانه (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)) الزخرف والقائل سبحانه (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42)) المرسلات. لقد أشار القرآن الكريم إلى كثرة أنواع الفواكه رغم أنه نزل على قوم يعيشون في بيئة صحراوية لا يوجد فيها إلا القليل منها.

ونفضل بعضها على بعض في الأكل
إن ظاهرة نمو أشجار الفواكه وغيرها من النباتات من بذور صغيرة يكاد لا يرى بعضها بعد أن يتم غرسها في التراب وسقيها بالماء معجزة كبرى لمن يفكر فيها. فهذه البذور الصغيرة تنتج أشجارا مختلفة في شكل جذوعها وأوراقها وأزهارها وثمارها رغم أنها تسقى بنفس الماء وتزرع في نفس التراب. ولقد تمكن العلماء في هذا العصر من حل هذا اللغز حيث أن كل بذرة من هذه البذور تحتوي على برنامج تصنيع كامل مكتوب بطريقة رقمية على الشريط الوراثي (DNA) والذي يقوم بإعطاء أوامر تصنيع الشجرة الخاصة به بمجرد إعطاء إشارة البدء التي لا تصدر إلا إذا توفرت شروط الإنبات. إن هذا البرنامج يحدد جميع مواصفات الشجرة وخطوات تصنيعها وأوقات إزهارها وإثمارها ونوع المواد التي تمتصها من الأرض لتصنيع المواد العضوية المختلفة وصدق الله العظيم القائل (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)) الرعد.

مختلفا ألوانها
إن أكثر ما يثير العجب في الفواكه هو الاختلاف الكبير في أشكال وألوان أوراقها وأزهارها وثمارها وبذورها. فأشكال وألوان الأزهار مصممة لجذب الحشرات لتلقيحها وأشكال وألوان الثمار تجذب البشر لأكلها وأشكال وألوان البذور تغري الحيوانات والطيور لأكلها ونقلها وصدق الله العظيم القائل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27)) فاطر.

متشابها وغير متشابه
إن معجزات الله عز وجل في الفواكه لا تقتصر على خلق مئات الأنواع المختلفة التي تتفاوت تفاوتا كبيرا في أشكالها ومذاقاتها بل تتجلى في قدرة الله عز وجل ومنتهى إبداعه في خلق عشرات الأصناف من النوع الواحد تتشابه في شكل أشجارها وأوراقها وأزهارها ولكنها تختلف في أشكال ثمارها ومذاقاتها. فعندما يشاهد الإنسان على سبيل المثال عشرات الأصناف من التمور المعروضة في أماكن بيعها يعلم من شكلها العام أنها من عائلة التمور ولكن من اختلاف بسيط في شكلها ولونها يستطيع أن يميز بين عشرات الأصناف منها إذا سبق له أن تعرف عليها وعندما يقوم بأكلها يستطيع أن يميز بسهولة بين تلك الأصناف من مذاقها. لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة العجيبة في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)) الأنعام.

ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين إثنين
إن المعجزة الكبرى في ظاهرة الحياة بعد معجزة خلق الحياة من التراب هي معجزة خلق الزوجين الذكر والأنثى كما شرحت ذلك في مقالة (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون). إن ظاهرة الزوجية في الكائنات الحية إنّما خلقها الله سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة قل من يلتفت إليها وهو إحداث هذا التنوع الهائل في أشكال وألوان نفس النوع من الكائنات الحية فلولاها لكان أفراد البشر على صورة واحدة ولما أمكنهم التعرف على بعضهم البعض ولما عرفوا معنى الجمال في أشكال أجسامهم. إن هذا التنوع في أشكال الكائنات الحية لن يتحقق إلا من خلال طريقة التكاثر الجنسية والتي تتطلب وجود كائنين اثنين بدلا من كائن واحد وتتم عملية تصنيع الكائن الجديد بحيث ينتج كل منهما خلية تحمل برنامج تصنيع كامل بمواصفات الكائن الذي أنتجها ولكن لا يمكن لأي منهما تنفيذ برنامج التصنيع الذي في داخلها بمفرده. ولكن بمجرد دمج برنامجي التصنيع الموجودين في الخليتين في نواة إحداهما فإن الخلية المركبة أو الملقحة تبدأ بتنفيذ برنامج تصنيع الكائن إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة. ولكي تحقق طريقة التكاثر الهدف الذي صممت من أجله وهو زيادة التنوع في أشكال الكائنات الحية فعلى برنامج التصنيع الموحد أن يأخذ تعليمات تصنيع الأجزاء المختلفة للكائن من البرنامجين بحيث تكون بعض مواصفات الكائن الجديد مأخوذة من الكائن الذكر والبعض الآخر مأخوذ من الكائن الأنثى. وهذا التنوع أيضا لن يتحقق إلا بوجود اختلاف في برنامجي التصنيع المأخوذين من الذكر والأنثى مما يعني أن مواصفات جسم أول ذكر وجسم أول أنثى انحدر منهما كل نوع من أنواع الكائنات الحية لا بد وأن تكون مختلفة وإلا لما استدعى الأمر اختراع مثل هذه الطريقة البالغة التعقيد للتكاثر. لقد كانت الأصناف الجديدة في كل نوع من أنواع الكائنات تظهر بطريقة طبيعية نتيجة لتزاوج صنفين مختلفين بالصدفة وكانت الأصناف الجيدة منها هي التي يكتب لها البقاء على الأرض. ومع ظهور الإنسان بدأ بإجراء عملية تزاوج أو تهجين بين مختلف أنواع الأصناف باحثا عن أصناف جديدة حسنة الصفات أو كثيرة الإنتاج أو ملائمة لمختلف أنواع التربة والمناخ أو مقاومة للآفات والأمراض. إن دور الإنسان وهو يقوم بعمليات التهجين لا يتعدى اختيار الأصناف الجيدة ويزاوجها مع بعض البعض وقد يتطلب العثور على صنف بالمواصفات المطلوبة عشرات السنين حيث أن تبادل الجينات بين الأشرطة الوراثية تتم بطريقة لا تقع تحت سيطرة البشر. وكذلك فإن الجينات الموجودة في مختلف الأصناف هي نفسها التي أودعها الله أول ذكر وأول أنثى خلقهما الله من كل نوع من أنواع الكائنات الحية ولو أن الإنس والجن قد اجتمعا لتصنيع جين جديد لما استطاعوا فعل ذلك. ولطالما أنتج المهندسون الزراعيون أصناف جديدة من الثمار أو المحاصيل بمواصفات عالية الجودة من خلال تهجين صنفين ذات مواصفات رديئة وذلك بفضل اجتماع بعض الجينات المتنحية في برنامج تصنيع الكائن الهجين. إن منتهى الإبداع في طريقة الخلق هذه أن برنامجي التصنيع يتم خلطهما عند كل عملية تزاوج بين الذكر والأنثى وتتبادل الجينات السائدة والمتنحية أماكنهما في البرنامجين ولكن تبقى البرامج تعمل بكل كفاءة وتنتج كائنات لا يصيب أعضائها أي خلل وتحافظ على المظهر العام للكائن رغم التغيير الحاصل في بعض صفاته وصدق الله العظيم القائل (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)) الرعد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش