الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرواية ومفردة «الفراشة»

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:00 صباحاً
د. محمد عبدالله القواسمة *

من اللافت أن مفردة «الفراشة» ترد في غير قليل من العناوين الرئيسية للروايات سواء الروايات العربية أم الأجنبية، فمن الروايات العربية نشير إلى روايات: مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، وأجنحة الفراشة لمحمد سلماوي، والقوس والفراشة لمحمد الأشعري، وصمت الفراشات لليلى العثمان، ووجع الفراشة لكاتب هذه السطور.
ومن الروايات الأجنبية التي جاءت كلمة الفراشة في عناوينها الرئيسية: جامع الفراشات لجون فاولز، الفراشة لهنري شاريير، وفي زمن الفراشات لجوليا الفاريز، وحرب الفراشة لشارلوت لامب. هذا فضلًا عن حضور الكلمة في عناوين مجموعات شعرية، مثل: أثر الفراشة لمحمود درويش، والفراشة لبروين حبيب ..
هذا التكرار اللافت لكلمة «الفراشة» في عناوين الأعمال الأدبية وبخاصة الروائية ــ والعنوان كما هو معروف الكلمات الأولى، والعتبة المهمة في تقديم العمل، وفتح الآفاق أمام القارئ لسبر دلالاته ــ يدفع إلى التساؤل عن سر ذلك.
في الإجابة عن هذا التساؤل يُلاحظ أن كلمة الفراشة تتكون من مجموعة أصوات رقيقة وقعها خفيف على الأذن، سهلًا في النطق والتلفظ. وهي تثير كثيرًا من الصور الذهنية التي تتصل بذكريات الإنسان في مرحلة الطفولة. فأي منا لا يتذكر تلك المرحلة وهو يطارد الفراشات ويحاول الإمساك بها؟ وهي عند المبدع لا تبعث الذكريات فحسب بل هي مصدر مهم من مصادر الإبداع نفسه؛ فلا غرابة أن يوظفها في عمله.
إن كلمة الفراشة تدل على تلك الحشرة المعروفة التي تتميز بصفات كثيرة تقربها من الإنسان كالجمال والرقة والحركة الرشيقة، وصغر الحجم، كما أنها لا تعمر طويلًا، وتظهر في فصل الربيع، بألوان متعددة زاهية، وهي بعيدًا عن المثل: «أحمق من فراشة» تقترب من النور مع أنه قد يحرقها.
هذه الصفات تجعل الكلمة ذات حمولات رمزية، وتصورات جمالية وفلسفية؛ فهي ترمز إلى الأمل لدى كثيرين من الناس بما تثيره من مشاعر البهجة والطمأنينة. ونجد بعض الشعوب تقدس الفراشة، فراشة المنزل؛ لأنها كما يعتقدون تبث الخير والسعادة بلونها الرمادي الفاتح، وحركتها الهادئة في أرجاء البيت. ومن الطقوس المحلية عند بعض القبائل في شمال أميركا، مثل قبيلة البلاك فوت الأصلِيّة أن على الشخص أن يهمس بأمنيته للفراشة عندما تحُط عليه فهي ستحملها إلى السماء عندما تطير. وعند شعب الناواتل فى المكسيك تمثل الفراشات أرواح الأطفال الموتى، وفي اليونان القديمة كانت الفراشة رمزًا للروح والقدرة على التحول والتجدد، والنضج الأنثوي. كما اعتقد المصريون القدماء بأن روح الميت، بعد خروجها من الجسد تتحول إلى فراشة. ورأت المسيحية في الفراشة رمزا للبعث. أما في الإسلام فصور القرآن الكريم الناس حين يبعثون يوم القيامة بالفراش المبثوث.
ربما أهم الدلالات والحمولات الرمزية لكلمة الفراشة ما تعبر عنه برفرفة جناحيها في الفضاء؛ إذ تتجاوب هذه الحركة وتكرارها مع دأب الإنسان ومحاولته التأثير في الحياة، وتحمل أثقالها، والصبر على أوجاعها؛ فهو يتصور الفراشة على سبيل المجاز برفرفة جناحيها، مع كونها هذا المخلوق الضعيف الذي يبدو لا حول له ولا قوة، تترك في الطبيعة أثرًا ولو ضئيلًا، ولكنه يتحول مع تراكم التأثير إلى قوة هادرة يصعب السيطرة عليها. وهذا ما تحدثنا به نظرية أثر الفراشة، أو نظرية الفوضى، أو الشواش التي قال بها عالم الأرصاد الجوية إدوارد لورينتز عام 1961. ويمكن تمثيلها بالقول المعروف: «إن رفّة جناحي فراشة في الصين قد يتسبب عنها فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في العالم».
وربما كان لهذه النظرية تأثير كبير في اختيار مفردة الفراشة عنوانًا لكثير من الروايات، وبخاصة أنها تماثل العالم الروائي؛ فما الرواية غير حدث كبير تكون من أحداث صغيرة. كما تتلاءم الفكرة مع الظواهر الطبيعية والشخصيات التي تبدو ضعيفة وتظهر فجأة بأن لها تأثيرًا في مجرى الأحداث الروائية، فعلى حد تعبير محمود درويش، خيط من الحرير يمكن أن يفلّ الحديد، أو أن خيط صوف, على ضعفه يمكن أن تصنع منه الخيام، وخاصة خيام اللاجئين والمهجرين. يقول درويش في قصيدة أظن» من كتابه أثر الفراشة:
أظنّ،
ولا إثم في مثل ظني
ولا وهم،
أني
بخيطِ حرير أقصّ الحديد
وأني
بخيط من الصوف
أبني خيام البعيد.
إذن، لا عجب من تكرار كلمة الفراشة في عناوين الخطابات المختلفة ومتونها وبخاصة الخطاب الروائي. سنبقى نقرأ هذه الكلمة كثيرًا، ونتمثل أثر الفراشة في هذه الأيام التي تتجاهل فيها القوى الغاشمة مدى تأثير الشعوب الضعيفة أو الإنسان الضعيف عندما يتفجر غضبه.

* روائي وناقد من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش