الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأسلحة الثلاثة

إسماعيل الشريف

الأحد 18 آذار / مارس 2018.
عدد المقالات: 119


لا أكره العالم الذي أعيش فيه، ولكنني متضامن مع الذين يعذَّبون فيه – آلبرت كامو
كامو هو أحد أعظم الكتاب في القرن العشرين، فرنسي جزائري، نال جائزة نوبل عام 1957 ورحل مبكرا بعدها بسنوات قليلة، قصصه بسيطة وعميقة وشخصياته معقدة ولكنها واقعية، كان يرفض أن يسمى فيلسوفا على الرغم من أن كل أعماله تنطوي على الكثير من الفلسفة، سأل أصعب الأسئلة وحاول أن يجيب عليها.
تحلم، لو ثمة بقية من أحلام، أن تعمل في وظيفة تشعل خيالك، تحبها وتستمع بها، تؤمّن لك دخلا تعيش منه بكرامة، وطالما أنك تحلم فلم لا تأخذ أطفالك لعشاء خارج المنزل؟ ولكن الواقع يسحبك لوظيفة روتينية تقتل الطموح والإبداع وعائدها يكاد يكفي لتكلفة الوصول إلى عملك لتكرر ما قمت به أمس وأول أمس، وستكون محظوظا لو سدت لك بعض فواتيرك.
ما أشبه وظائفنا هذه بأسطورة سيزيف اليونانية، الذي استطاع خداع ملك الموت فعوقب بأن يدفع صخرة من أسفل الجبل إلى قمته وحين يصل إلى القمة تتدحرج الصخرة إلى القاع فيعود لدفعها مرة أخرى إلى القمة في نصب لا نهاية له، فأصبح سيزيف رمز العذاب الأبدي.
وهكذا تلبس سيزيف كلا منا بصورة أو بأخرى، أعباء غير منتهية تتكرر في مشهد عبثي من حياة باردة سخيفة في عالم خال من العواطف غير مبال بأي فينا، نتعامل مع الأمر بارتباك، نحاول أن نشعر بالرضا، ولكن هيهات فكل شيء خارج عن سيطرتنا، حتى لو كانت توقعاتنا بسيطة فهي بعيدة المنال.
إزاء حياة سيزيف هذه التي نعيشها نفكر بحلين إما الاستسلام للواقع والعيش تحت الأقدام أو تحت التراب، أو التظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام إلى أن تأتي اللحظة التي لا نستطيع الاستمرار بهذا الكذب فننهار!
رأى كامو ومضا من السعادة في مأساة سيزيف الأبدية فألف عملا أدبيا خالدا عام 1942 حمل اسم أسطورة سيزيف، رأى سعادة سيزيف بإخلاصه في عمله؛ فهو يقنع نفسه مع كل دفعة للحجر أن كل شيء على ما يرام.
سبب سعادة سيزيف كما يراه كامو هو مزيج من التمرد والحرية والشغف، فعلى الرغم من صعوبة الوضع نجده يعود بشغف في كل مرة إلى المنحدر لدفع الصخرة، وهو بمجرد تقبله لهذا العمل وإقباله عليه استطاع أن يحوله من عذاب مضني إلى لوحة فنية يتوق لرسمها بعرقه وعنائه كل يوم، وهكذا تمرد سيزيف على العذاب عندما حوله إلى وسيلة لتحقيق الذات، وأخيرا فموقفه من عمله هو اختيار حر، وقد اختار أن يكون راغبا فيما أجبر عليه، كما اختار أن يتخلص من كل رغبة هو محروم من تحقيقها.
وبعيدا عن عبقرية كامو في استنباط السعادة من أحلك الظروف، فما نتعلمه من مأساة سيزيف التي هي مأساة كل واحد فينا – إلا ما رحم ربي- أن التحدي مهما كان عظيما ومهما كان الجبل عاليا ومهما كان المنحدر قويا فنحن نملك دوما أسلحة كامو الثلاثة الحرية والتمرد والشغف، وبإمكان أي منا استحضار هذه الأسلحة لجعل الحياة تستحق الحياة، فمهما تكن مجبرا في حياتك لن يملي أحد عليك موقفك من هذه الحياة، ابحث عن الضوء وستجده في أحلك الأوقات وأكثرها إيلاما وألما، أحبّ حياتك ومارسها بشغف وكبرياء إلى أن تستنفدها واقفا متمردا؛ فهذا ما يعطي للحياة معنى.
وتذكر قول الله تعالى «لقد خلقنا الإنسان في كبد» لتعلم أن الأصل في هذه الحياة المعاناة، «والآخرة خير وأبقى».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش